فتجهّز للسفر ولم يبق إلا رحيله فاشتدّ مرضه ومات بعد قليل في ثامن شهر رمضان منها ودفن بالقرافة ، ثم نقل إلى دمشق ودفن بجبل الصّالحية عند أخيه . وقد نال من السّعادة ما لا يغبر عنه ، وكان السّلطان يبالغ في احترامه وتعظيمه وكتب له توقيعا بالجناب العالي ، فقبّل الأرض وطلب الإعفاء من ذلك وكشطها ، وقال : ما يصلح للمتعمّم أن يعدّى به « المجلس العالي » . وله شعر جيّد ، ونال في أولاده سعادة عظيمة ، فولي كلّ من ولديه شهاب الدين أحمد وبدر الدين محمد كتابة السّرّ بدمشق ، وطالت مدة ولده علاء الدين صاحب الترجمة في كتابة السر بديار مصر ، وولي بعده ابنه بدر الدين محمد بن عليّ وولده علاء الدين في « 1 » . . . وبرع في الأدب ، وجاد نظمه ونثره ، وكتب الخط المنسوب ، ففاق فيه ، وبلغ منه الغاية بحيث لم يكتب قلم الثلث أحد في عصره مثله ، وتفرّد بإتقانه ، وكتب الرّقاع من أحسن ما يكون .
ولما تغير السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون على أخيه شهاب الدين أحمد في سنة سبع وثلاثين تقدم إلى أبيه محيي الدين أن يحضر بعلاء الدين هذا ليقرأ البريد وينفّذ الأشغال على قاعدة أخيه شهاب الدين ، فاعتذر بأنه صغير لا يصلح لذلك ، فقال له السّلطان : أنا أرتبه وأعلّمه ، فطلع به إليه وباشر حتى أشفى أبوه محيي الدين على الموت ، فخلع عليه واستقلّ بكتابة السّرّ في يوم الاثنين رابع شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وسبع مائة .
ثم مات أبوه فباشر كتابة السّرّ بقية أيام الناصر محمد بن قلاوون وأيام أولاده : المنصور أبو بكر ، والأشرف كجك ، والنّاصر حسن ، والصالح إسماعيل ، والكامل شعبان ، والمظفّر حاجي ، والناصر حسن ، والصالح صالح ، والمنصور محمد بن حاجي ، والأشرف شعبان بن حسين حتى مات ليلة الجمعة تاسع عشري شهر رمضان سنة تسع وستين وسبع مائة ، فكانت مدته إحدى وثلاثين سنة وأياما خدم فيها أحد عشر
هامش
( 1 ) فراغ في الأصل .