تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
واستمرّ على ذلك حتى مات يوم الاثنين خامس عشري شهر رجب سنة إحدى وثلاثين وثماني مائة عن نحو ثمانين سنة ، وقد تغيّر عقله . وكان أحد فضائح الزّمان في الجهل والجرأة وكثرة الدّعاوى ، وكان يتبجّح بجهله ويجعل له مفردات عديدة ، فيزعم أن اللّه لم يخلق الشّبع ، وأنه ليس للجدّة سدس إلى غير ذلك مما يتشدق في المجالس بالإعلان به ، وإذا أتته دعوى على شخص ، يقول من غير احتشام : انظروا فإني أحكم في هذه القضية بحكم ما ذكره الرّافعي ولا النّووي ولا فلان وفلان ، ويعدّد جماعة ، فيروّج بجهله وسخفه . ولما شرع السّلطان الملك المؤيد شيخ في عمارة الجامع بجوار باب زويلة أقيم وكيلا عن السّلطان في شراء الدّور واستبدال ما هو وقف منها ، حتى بنى الجامع مكانها ، وندب شمس الدّين محمد البرقي أحد نواب الحكم الحنفية للحكم باستبدال ما هو وقف منها ، فأخبرني البدر البرديني هذا أنّ جماعة من أرباب الأملاك التي كانت حيث الجامع المؤيدي وعدة من مستحقي ما كان هناك من الدّور الموقوفة امتنعوا من بيعها والاستبدال بها ، فقال البرقي للبرديني : مذهبنا أنّ الغاصب يملك ما يغصبه إذا غصبه صاحبه وتصرّف فيه بعد غصبه إياه مثل أن يلتّ السّويق بسمن أو يخيط الثّوب قميصا ونحوه ، فإذا تصرّف الغاصب فيما غصبه صار ملكه ولزمته قيمته ، وهؤلاء الذين امتنعوا من بيع أملاكهم ومن الاستبدال بأوقافهم اهدموها أنتم ، فإذا هدمتموها صارت بمجرد هدمها ملكا للسّلطان ولزمته قيمتها وأنت وكيله في ذلك ، فقم لهم حينئذ بقيمة ما تهدمه . قال لي البرديني : فكنّا نهدم دار من امتنع من بيعها أو الاستبدال بها ، ثم نقول لمالكها أو مستحقها : ليس لك إلا قيمة أنقاض هذه الدّار ، فمنهم من يضطره الأمر إلى أن يأخذ ما يدفع إليه في ثمن ذلك ، ومنهم من امتنع من الأخذ لفحش الغبن ، فلم يأخذ إلى الآن شيئا ، وهذا أنموذج من أحكامه ، فقس عليه ، إلا أنّه كان يحب قضاء حوائج من يقصده ويترامى على الوزراء والقضاة والأعيان في قضائها له ولا يجبهه الردّ ولا يرده الطّرد