فإنّ خلدون إما أن يكون قدومه من المشرق على الأندلس في الفتح فيكون دخوله في سنة اثنتين وتسعين من الهجرة ، وإما أن يكون دخوله مع طوالع بلج « 1 » وذلك في سنة اثنتين وعشرين ومائة ، وعلى كلا الأمرين فلا بد أن يكون بينهما عدة آباء ، فإنّ القاعدة إذا جهلت الآباء وعرفت السّنون أن يجعل لكل مائة من السنين ثلاثة آباء ، وبين شيخنا أبي زيد وبين خلدون نحو سبع مائة عام ينوبها بحكم القاعدة أحد وعشرون أبا ، وهو لم يذكر من آبائه إلى عبد الرحمن سوى عشرة ، فعلى هذا يبقى من آبائه بعد ذلك نحو أحد عشر أبا ، لأنّا نجمل مع ذلك الآباء العشرة أبا زيد وخلدون ، والقاعدة أدت إلى أن عدد ما بين أبي زيد وخلدون أحد وعشرون فإذا عرفت منهم اثني عشر يبقى تسعة « 2 » واللّه أعلم .
أوليته « 3 » :
لما دخل خلدون إلى الأندلس نزل بقرمونة في نفر من حضرموت ، ونشأ بنوه « 4 » بها ، ثم استوطنوا إشبيلية وكانوا في جند اليمن ، ثم انتقلوا إلى سبتة . وقصد الحسن بن محمد الأمير أبا زكريا يحيى بن عبد الواحد أبي حفص صاحب إفريقية فأكرم قدومه ، وارتحل إلى المشرق فحج ورجع فاستقر في ظل دولة الأمير أبي زكريا ، فأقطع له إقطاعا وفرض له رزقا إلى أن مات . فنشأ ابنه محمد بن الحسن في جو تلك النّعمة ومرعاها ، وصرّفه الأمير أبو إسحاق في عمل الأشغال في الدّولة ، فانفرد بولاية العمّال وعزلهم وحسابهم على ما يجبى ، فاضطلع بتلك الرّتبة . ثم عقد الأمير أبو إسحاق لابنه محمد بن محمد بن الحسن على حجابة ولي
هامش
( 1 ) تنظر الجمهرة لابن حزم 398 .
( 2 ) معنى هذا الكلام ذكره ابن خلدون نفسه في « التعريف » .
( 3 ) ينظر التعريف 4 .
( 4 ) في الأصل : « أبوه » ، وهو غلط جد ظاهر .