وجد له ، وترامى على الناس يستنجد بهم ، وصار يجلس بباب المدرسة الظّاهرية برقوق وهو مرسّم عليه ، فإذا مرّ من بين القصرين أحد من الأعيان قام إليه وسأله شيئا يرتفق به ، فنزل به بلاء كبير وصار إلى هوان وذلّ وضعة إلى أن أدّى ما ألزم به ، وهو أربعون ألف دينار ، ثم خلّي عنه .
وولي في سابع عشر رجب الذّخيرة السّلطانية والأملاك ليستعين بذلك على حمل ما بقي عليه من مال المصادرة . ثم استقرّ في الوزارة بعد تاج الدين عبد الرزاق بن الهيصم في يوم الخميس تاسع عشر المحرم سنة تسع عشرة بعد امتناعه من ذلك ومراجعة الملك المؤيّد مرارا ، فباشر الوزارة مباشرة مشكورة ، وضبط تعلّقاتها ضبطا جيّدا ، فهابته الكتّاب وخافوا منه لما يعرف به من تمكنه في الصناعة .
وحدث في أيامه وباء بديار مصر ، فسار في المواريث سيرة فاضلة ولم ينازع وارثا في أخذ ما يستحقه ولا تعنّت عليه ، فرأى الناس من ذلك ما لم يعهد مثله عن الوزراء . وكان مع ذلك يسدّ أمور الدولة من غير ذلك فيها ولا شناعة في الناس إلى أن مرض أياما ومات حتف « 1 » أنفه بالقاهرة في يوم الخميس حادي عشر شوال منها ، ودفن بتربة الصوفية خارج باب النّصر . وكانت وزارته تسعة أشهر وثمانية أيام .
وكان بعيدا عن النّصرانية ، غير فاحش في القول ولا نشّاط في العقوبة ، مع فعل الخير من الصّدقات والميراث التي يرجو بها النجاة من السّوء . إلا أنه كان منهمكا في اللّذات التي لا تباح تحيّلا ، مقتّرا ، ماكرا ، سئ الباطن ، غدّارا ، كفورا ، عريقا في الظّلم ؛ قد ولي الوزارة أبوه وأخوه وولي جدّه وزارة دمشق ، ولم يكن له همّة سوى بطنه وفرجه ، لا تنفق عنده الفضائل ولا يميل إلى شيء منها ، ولولا خلوّ الوقت لما كان أهلا للسيادة . ومع ذلك فلم يخلّف بعده مثله في معرفة الكتابة والمباشرة
هامش
( 1 ) في الأصل : « حيف » ، مصحفة .