ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها * عقود مدح ، فما أرضى لكم كلمي
ترى الوزارة فيه وهي باذلة * عند الخلافة نصحا غير متّهم
عواطف علّمتنا أنّ بينهما * قرابة من جميل الرأي لا الرحم
خليفة ووزير مدّ عدلهما * ظلّا على مفرق الإسلام والأمم
زيادة النيل نقص عند فيضهما * فما عسى يتعاطى منّة الديم
فكان الصالح يستعيد الأبيات في حال الإنشاد مرارا ، والأمراء والأستاذون يذهبون في الاستحسان كلّ مذهب . ثم أفيضت عليه خلع الخلافة وهي مذهبة ، ودفع له الصالح خمسمائة دينار عينا ، وأخرجت إليه الشريفة العمّة ابنة الإمام الحافظ لدين اللّه مع بعض الأستاذين خمسمائة دينار أخرى . وخرج والمال محمول إلى منزله .
وأطلقت له من دار الضيافة رسوم جليلة ، وتهاداه أمراء الدولة إلى منازلهم للولائم ، واستحضره الصالح للمجالسة ونظمه في سلك أهل المؤانسة وانثالث عليه صلاته وغمره ببرّه .
وأنشده يوما من أبيات [ الطويل ] :
دعوا كلّ برق شمتم غير بارق * يلوح على الفسطاط صادق بشره
وزوروا المقام الصالحيّ ، فكلّ من * على الأرض ينسى ذكره عند ذكره
[ 174 - ب ] ولا تجعلوا مقصودكم طلب الغنى * فتجنوا على مجد المقام وفخره
ولكن سلوا منه العلى تظفروا به * وكلّ امرئ يرجى على قدر قدره
فرمى الخريطة إليه فوجد فيها مائة دينار عينا وخمسين رباعيّا .
ومدحه في شعبان سنة خمسين وخمسمائة بقصيدة فيها [ الكامل ] :
قصدتك من أرض الحطيم قصائدي * حادي سراها سنّة وكتاب « 1 * »
منها :
إن تسألا عمّا لقيت فإنّني * لا مخفق أملي ولا كذّاب
لم أنتجع ثمد النطاف ولم أقف * بمذانب وقفت بها الأذناب
لكن وردت قرارة العزّ الذي * تغدو عبيدا عندها الأرباب « 2 * »
عثرت به قدم الثناء فلا لعا * إن لم تقلها رفعة وثواب « 3 * »
فألقى إليه الخريطة فوجد فيها ثلاثة وسبعين دينارا .
وودّع الخليفة والوزير بقصيدة ، منها في ذكر العود إلى مكّة واليمن قوله [ الكامل ] :
من لي بأن ترد الحجاز وغيرها * أخبار طيب مواردي ومصادري
زارت بي الآمال أكرم ساحة * فوق الثرى فغدوت أكرم زائر
ووفدت ألتمس الكرامة والغنى * فرجعت من كلّ بحظّ وافر
فكأنّ مكّة قال صادق فألها * سافر تعد نحوي بوجه سافر
فأوسعه إكرامهما توفيرا وإنعامهما توقيرا حتى قال سيف الدين حسين ابن أبي الهيجاء للتوزري متولّي الرسالة عن الخليفة إلى الوزير : ثلاثمائة
هامش
( 1 * ) في المخطوط : وحادي . . .
( 2 * ) الثمد والنطاف : الماء القليل ، والمذنب : الجدول والساقية .
( 3 * ) لا لعالكم : دعاء لمن عثر حتى تقال عثرته .