زبيد . فكثر ماله وتردّد من زبيد إلى عدن للتجارة فأثرى ثراء عظيما واتّسع حاله وبعد صيته وصار يعدّ من أكابر التجّار ومن أهل الثروة ومن أكابر الفقهاء الذين أفتوا ودرّسوا ، ومن أفضل أهل الأدب مع الوجاهة عند أهل الدول ، والنعمة الظاهرة في الملبس ، وكثرة السراريّ . وأقام على ذلك من سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة إلى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة .
ثم ورد عليه كتاب الداعي محمد بن سبأ صاحب عدن يستدعيه فسار من زبيد واجتمع به .
فكوتب فيه أهل زبيد بأنّه قد مال مع علي بن مهدي صاحب الدولة باليمن ليأخذ زبيد . فتنكّر أهل زبيد على عمارة وأجمعوا على قتله . فلمّا رجع إليهم من عند محمد بن سبأ بلغه ذلك ففرّ من زبيد ولحق بمكّة في سنة تسع وأربعين وخمسمائة « 1 » .
فاتّفق موت هاشم بن فليتة أمير الحرمين وولاية ابنه قاسم بن هاشم ، فبعث عمارة سفيرا عنه إلى القاهرة . فقدم إليها في شهر ربيع الأوّل سنة خمسين وخمسمائة ، والخليفة حينئذ الفائز بنصر اللّه أبو « 2 » القاسم عيسى ابن الظافر بأمر اللّه إسماعيل ، ووزيره الصالح طلائع بن رزّيك .
فتلقّاه أهل الدولة بالإكرام على عادتهم في ذلك ، وأحضر للسلام على الخليفة في قاعة الذهب من القصر . فلمّا مثل بالحضرة أنشد [ البسيط ] :
الحمد للعيس بعد العزم والهمم * حمدا يقوم بما أوليت من نعم
لا أجحد الحقّ عندي للركاب يد * تمنّت اللجم فيها رتبة الخطم
قرّ بن بعد مزار العزّ من نظري * حتى رأيت إمام العصر من أمم
ورحن من كعبة البطحاء والحرم * وفدا إلى كعبة المعروف والكرم
فهل درى البيت أنّي بعد فرقته * ما سرت من حرم إلّا إلى حرم
حيث الخلافة مضروب سرادقها * بين النقيضين من عفو ومن نقم
[ 175 أ ] وللإمامة أنوار مقدّسة * تجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم
وللنبوّة آيات تنصّ لنا * على الخفيّين من حكم ومن حكم
وللمكارم أعلام تعلّمنا * مدح الجزيلين من بأس ومن كرم
وللعلى ألسن تثني محامدها * على الحميدين من فعل ومن شيم
وراية الشرف البذّاخ ترفعها * يد الرفيعين من مجد ومن همم
أقسمت بالفائز المعصوم معتقدا * فوز النجاة وأجر البرّ في القسم
لقد حمى الدين والدنيا وأهلهما * وزيره الصالح الفرّاج للغمم
اللابس الفخر لم تنسج غلائله * إلّا يد الطّيّعين السيف والقلم
وجوده أوجد الأيّام ما اقترحت * وجوده أعدم الشاكين للعدم
قد ملّكته العوالي رقّ مملكة * تعير أنف الثريّا عزّة الشمم
أرى مقاما عظيم الشأن أوهمني * في يقظتي أنّها من جملة الحلم
يوم من العمر لم يخطر على أملي * ولا ترقّت إليه رغبة الهمم
هامش
( 1 ) قال في النكت ، 31 : خرجت حاجّا ، بل هاجّا إلى مكّة .
وهجّ في كلام العامّة : هجر البلاد فرارا من الظلم .
( 2 ) في المخطوط : أبي . ومات الفائز سنة 555 .