مقدّمة المقريزي لكتاب الدرر « 1 »
وبعد ، فإنّي ما ناهزت من سني عمري الخمسين ، حتّى فقدت معظم الأصحاب والأقربين ، فاشتدّ حزني لفقدهم ، وتنغّص عيشي من بعدهم ، فعزّيت النفس عن لقائهم بتذكارهم ، وعوّضتها عن مشاهدتهم باستماع أخبارهم ، وأمليت ما حضرني من أنبائهم في هذا الكتاب ، وسمّيته :
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة
واللّه أسأل أن يبرّد في مقرّ البلى مضجعهم ، ويقرّ ليوم التنادي مهجعهم ، ويجمعني وهم بدار كرامته في نعمته ، ويمنعني وإيّاهم بالخلود مع الأبرار في جنّته ، بمنّه وكرمه .
وفي ذلك أقول [ الطويل ] :
فقدت لعمري ما كان لي يحلو * وأوحشني قوم بهم كان لي شغل
فلا غائب في الناس أرجو قدومه * ولا زائر ، همّي بزورته يجلو
ولا صاحب أرجو لدفع كريهة * إذا محن الأيّام ما خطبها سهل
ولا مسعف بالرأي لي هو مرشد * ولا منجد بالجاه قدري به يعلو [ 2 أ ]
ولا فارج عنّي الهموم بإنسه * يطارحني همّا يخفّ به الثكل
ولم يبق لي من صبوة وصبابة * تلذّ بها نفسي ويجتمع الشمل
وقد أعرضت نفسي عن اللهو جملة * وملّت لقاء الناس حتّى وإن جلّوا
وصار بحمد اللّه شغلي وشاغلي * فوائد علم لست من شغلها أخلو
فطورا يراعي كاتب لفوائد * بصحّتها قد جاءنا العقل والنقل
وآونة للعلم صدري جامع * فتزكو به نفسي وعن همّها تسلو
ثم إنّي رأيت بعد ذلك أن أجمع أخبار من أدركته ، سواء غاب عنّي أو رأيته ، من أهل مصر « 1 * » كان أو غيرها من البلدان ، فأقيّد أخبار الملوك والأمراء ، وأعيان الكتّاب والوزراء ، وأذكر رواة الحديث والفقهاء ، وحملة سائر العلوم والشعراء ، ومن له ذكر شهير ، أو قدر نبيه خطير ، إمّا من رجال الدنيا أو طلّاب الأخرى ، من ابتداء سنة ستّين وسبعمائة ، وأورد في اسم كلّ ملك أوّليّة دولته ، ومن سلف من ملوك مملكته ، كي يحيط الناظر فيه علما بدول الزمان ، وملوك العصر والأوان ، « فكأن قد »
وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا
[ الأحزاب : 62 ] وحسبي اللّه ، وكفى به وكيلا .
هامش
( 1 ) أدرجناها للتدليل على غرض المصنّف ، ممّا يبعد تراجمنا الثلاثين عن مادّة درر العقود . والمخطوط بعد هذا كتب بخطّ المؤلف مثلما في المقفّى والسلوك .
( 1 * ) في المخطوط : مصري . وهذا التدقيق « أو غيرها من البلدان » يخرج تراجم العقود عن شرط دخول مصر ، الذي بني عليه المقفّى .