وشدقم ضخم القرى والحنجرة * وجازر يلبقة ما أجزره
قيس إذا كفت عنه مئرزة * وقد دعا أعوانه في المجزرة
زيد الحصى وشبثا ومغيرة * فشقّ شطّا تامكا وكركره
فشايع من رجل ومزمره * وحامل لأهله ما أوقره
يوم ابن جدعان بجنب الحزوره * كأنّه قيصر أو ذو الدسكرة
وكان الأسير في قريش يرسل إليه أهله أن يغتنم غفلة الناس يوم طعام ابن جدعان فيهرب .
ولعبد اللّه بن جدعان يقول خراش بن زهير في أمر عكاظ [ الطويل ] :
أغرّك أن قالت قريش مسوّد * وأنّك مكفيّ بمكّة طاعم
[ إعجاب كسرى به ]
وقال البلاذريّ : وكان له ذكر في العرب . فسأل كسرى يوما عن دين العرب وأمر البيت ، وقال :
إنّي لأحبّ أن ألقى من أهل مكّة رجلا ذا عقل وفهم فأسائله عن أمورهم . فذكر له قوم من العرب كانوا بحضرته أمر عبد اللّه بن جدعان . فكتب إلى صاحبه باليمامة يأمره بالمسير إلى مكّة حتى يشخص إليه عبد اللّه بن جدعان مكرما ، فأشخصه إليه . فلمّا رآه كسرى أعجبته هيئته وعقله ونبله ، وكان قد أهدى إليه عضبا يمانيّا وأدما . فقبل هديّته وآنسه . فكان يدعو به ليسائله ، وبينهما ترجمان ، فإذا قام منصرفا قال : ما ظننت أنّ في العرب مثل هذا في حلمه ونجابته وجوده ورأيه .
وكان يؤاكله . ثمّ إنّه وصله فزوّده [ 196 ب ] من ثياب العراق وطرائفه وقال له ، وهو يأكل معه :
هل لك من حاجة تذكرها ؟
قال : نعم ، تهب لي هذا الطبّاخ الذي يتّخذ لك هذه الحيسة - يعني الفالوذ - فوهب له طبّاخا .
فلمّا انصرف وقدم مكّة أمر باتّخاذ الفالوذ فكان يتّخذ ويطعمه أهل مكّة فقال أميّة بن أبي الصلت [ الوافر ] :
وأبيض من بني عمرو بن كعب * وهم كالمشرفيّات الحداد
له داع بمكّة مشمعلّ * وآخر فوق دارته ينادي
إلى ردح من الشئزى ملاء * لباب البرّ يلبك بالشّهاد
لكلّ قبيلة شيخ وهاد * وكنت الرأس تقدم كلّ هاد « 1 * »
فما لاقيت مثلك يا ابن سعدى * لمعروف وخير مستفاد
( قال ) وقد سمعت في قدومه على كسرى وجها آخر ، وهو : أنّ الحرث بن ظالم [ المرّي ] لمّا خاف النعمان استجار بزرارة بن عدس ، ثم التمس أحرز من مكانه عنده فأتى مكّة واستجار بعبد اللّه بن جدعان . فكره النعمان ومن جمع له أن يأتوا مكّة وهي حرم . فكتب النعمان إلى كسرى يعلمه فتك الحرث وشرارته وأنّه يسعى بالفساد في عمله ، ويسأله أن يكتب إلى صاحب اليمامة في إشخاص الحرث إليه وأخذ من هو عنده به .
فلمّا صار صاحب اليمامة بقرب مكّة كره أن يطأها بجيش ، فانتظر يوما من أيّام أسواقهم بعكاظ أو غيرها . فلمّا اجتمعوا فيه لقي ابن جدعان فسأله أن يسلّم إليه الحرث بن ظالم . فقال : إنّه قد فارقني .
هامش
( 1 * ) قد تقدّم البيت برواية أخرى ص 264 .