فقال أميّة : كلاب غرماء قد نبحتني ونهشتني .
فقال له عبد اللّه : قدمت عليّ ، وأنا عليل من حقوق لحقتني ولزمتني . فأنظرني قليلا يحم ما في يدي . فقد ضمنت قضاء دينك ولا أسأل عن مبلغه .
فأقام أميّة أيّاما ثم أتاه فقال [ الوافر ] :
أأذكر حاجتي أم قد كفاني * حياؤك ؟ إنّ شيمتك الحياء
وعلمك بالحقوق وأنت فرع * لك الحسب المهذّب والسّناء « 1 »
كريم لا يغيّره صباح * عن الخلق السّنيّ ولا مساء
يباري الريح مكرمة وجودا * إذا ما الكلب أحجره الشتاء
وأرضك أرض مكرمة بناها * بنو تيم وأنت لها سماء
إذا أثنى عليك المرء يوما * كفاه من تعرّضه الثناء
إذا خلّفت عبد اللّه فاعلم * بأنّ القوم ليس لهم حداء « 2 »
فأبرز فضله حقّا عليهم * كما برزت لناظرها السماء
وهل تخفى السماء على بصير * وهل بالشمس طالعة خفاء ؟
فلمّا أنشده أميّة هذا الشعر كانت عنده قينتان .
فقال لأميّة : خذ أيّتهما شئت . فأخذ إحداهما وانصرف . فمرّ بمجلس من مجالس قريش فلاموه على أخذها وقالوا : لقد ألفيته عليلا . فلو رددتها عليه - فإنّ الشيخ يحتاج إلى خدمتها - كان ذلك
أقرب لك عنده وأكبر من كلّ حقّ ضمنه .
فوقع الكلام من أميّة موقعا فرجع إليه ليردّها عليه . فلمّا أتاه بها قال [ له ] ابن جدعان : لعلّك إنّما رددتها لأنّ قريشا لاموك على أخذها ؟ - ووصف لأميّة ما قال القوم .
فقال له أميّة : واللّه ما أخطأت يا أبا زهير !
فقال عبد اللّه : ما الذي قلت في ذلك ؟
[ ف ] قال أميّة [ الطويل ] :
عطاؤك زين لامرئ إن حبوته * ببذل وما كلّ العطاء يزين
وليس بشين لامرئ بذل وجهه * إليك ، كما بعض السؤال يشين
فقال عبد اللّه لأميّة : خذ الأخرى !
فأخذهما جميعا وخرج . فلمّا صار إلى القوم بهما ، أنشأ يقول [ الوافر ] :
وما لي لا أحيّيه وعندي * مواهب يطّلعن من النجاد ؟ [ 195 أ ]
لأبيض من بني عمرو بن كعب * وهم كالمشرفيّات الحداد
لكلّ قبيلة هاد ورأس * وأنت الرأس تقدم كلّ هاد
عماد الخيف قد علمت معدّ * وأنت البيت يرفع بالعماد
له داع بمكّة مشمعلّ * وآخر فوق كعبتها ينادي
إلى ردح من الشئزى ملاء * لباب البرّ يلبك بالشهاد
فأدلجهم على ربذ يداه * بفعل الخير ليس من الجماد « 1 * »
هامش
( 1 ) في الأغاني : وعلمك بالأمور .
( 2 ) في الأغاني : ليس لهم جزاء .
( 1 * ) هذه الأبيات في الأغاني مع اختلاف في الرواية والترتيب . -