والإفضال ، معدّلا عند القضاة متمكّنا عند السلطان يجلس في أرفع مجلس .
وكان ندّا لأبي محمد الحسن بن طاهر بن يحيى « 1 » إلى أن مات . فصار ندّا لابن أخيه أبي جعفر مسلّم بن عبيد اللّه بن طاهر لا يلتقي معه إلّا في مجلس السلطان أو في قضاء حقّ لأحدهما .
وكان لعبد اللّه إنعام كثير ، فيرسل إلى كلّ مخالط له أو منقطع إليه القمح والضحايا في كلّ سنة . ومنهم من يرسل إليه الحطب مع القمح من ضياعه . وكان يرسل إلى أبي القاسم أو نوجور بن الإخشيد أمير مصر وإلى أخيه الضحايا : النوق والبقر والكباش . وكان ينفذ إلى كافور الضحايا ، وإلى الوزير أبي الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات .
وكان يرسل الحلواء « 2 » المعمولة في داره فينفذ إلى كافور في كلّ يوم جامين ، وإلى الوزير أبي الفضل وإلى سائر الرؤساء ومن يختصّ به . فكان منهم من يرسل إليه الحلواء في كلّ يوم ، ومنهم من يرسل إليه بين يومين ، ومنهم من يرسل إليه في كلّ جمعة . وكان في داره رجل يكسّر اللوز
للحلواء بدينارين في كلّ شهر « 1 * » . وكان يرسل إلى كافور في كلّ يوم جامين حلواء ، ورغيفا في منديل مختوم ، فخوطب كافور في الرغيف وقيل له :
الحلواء أحسن ، وأيّ شيء تصنع بالرغيف ؟
فأرسل إليه : يجريني الشريف على عادته في الحلواء ، ويعفيني من الرغيف .
فركب إليه وقال : أيّدك اللّه ! إنّا ما نرسل الرغيف تطاولا ولا تعاطيا « 2 * » ، وإنّما هي صبيّة [ 183 ب ] حسنيّة بكر تعجنه بيدها وتخبزه بيدها ، فنرسله على سبيل التبرّك . وإذا كرهته قطعناه .
فقال : لا واللّه ، لا تقطعه ! ولا يكون لي غداء سواه .
وكان عبد اللّه حسن المعاملة . يوفّي « 3 * » معامليه ، حسن الإفضال عليهم ، ملاطفا لهم ، يركب إليهم وإلى سائر أصدقائه ، ويقضي حوائجهم ، ويطيل الجلوس عندهم . وأغنى جماعة « 4 * » وكان حافظا لمخلّفيهم ، وله مع ذلك برّ كثير . قال ابن زولاق « 5 * » : حدّثني قال :
رأيت فيما يراه النائم ، ولي أقلّ من عشرين سنة ، كأنّ طاقا مفتوحا في السماء ، فصعدت منه ومشيت حتى انتهيت إلى بيت في صدره سرير أسود عليه امرأة أعلم أنّها خديجة زوجة
هامش
( 1 ) أبو محمد الحسن بن طاهر بن يحيى : هو حسينيّ مثل ابن عمّه الشريف مسلّم بن عبيد اللّه بن طاهر . أمّا عبد اللّه بن طباطبا فحسنيّ . وانتساب الحسن بن طاهر إلى ذريّة الحسين لم يثنه عن خدمة الإخشيد وحتى عن ملاقاة المتّقي العبّاسي ( ابن سعيد : المغرب - قسم مصر ، 192 ) . والمقريزي هنا يسوّي بين الرجلين في المنزلة ، كما فعل ابن سعيد ، 166 ، إذ قال : هذا حسنيّ ، وهذا حسينيّ وبينهما عداوة الرئاسة والاختصاص .
على أن اختصاص الحسيني بالإخشيد كان أقوى : فقد توسّط بينه وبين ابن رائق ، ثم بينه وبين سيف الدولة الحمدانيّ فقال ابن سعيد : وأكثر نعمته اكتسبها في هذه الوساطة ( المغرب ، 189 ) .
( 2 ) الحلواء والحلوى بمعنى .
( 1 * ) في الوفيات : بدينارين في الشهر ، والعمل من أوّل النهار إلى آخره .
وفي رواية الداوداري ( الدرّة المضيئة ، 146 ) - وهو ينقل عن ابن خلّكان - أنّ الأجرة ديناران في كلّ يوم .
( 2 * ) في الوفيات : تعاظما . والتعاطي : التغالب في العطاء .
( 3 * ) في الوفيات : في ، عوض : يوفي .
( 4 * ) زاد ابن خلّكان : وكان حسن المذهب ، أي معتدلا في تشيّعه .
( 5 * ) ابن زولاق المؤرّخ ( 306 - 387 ) له ترجمة في هذا الكتاب ( رقم 1145 ) ، ويبدو أنّه عرف هذا الطباطبائي .