قالوا : نحن أربعة ، وتأتينا بجماعة كأنّك تريد أن تقهرنا عليه وتأخذه بلا عوض .
فأمر أصحابه بالرجوع وخرج في قلّة إلى الجزيرة . وبسط له ، ونصب له كرسيّ . وأمر زكريا أصحابه بحمله ووضعه بين يدي ابن قشما ، وقال :
« أشاغله بالكلام ، فإذا اطمأنّ فافتكوا به » . وجعل زكريا العلامة بينهم البكاء .
فلمّا وضع زكريا بين يدي ابن قشما نقف « 1 » رأسه بقضيب ذهب كان في يده وقال : الحمد للّه الذي أمكن منك !
قال له : يا عمّ ، قد قدرت فاعف عنّي وأحسن الظفر ! فإنّ هؤلاء المسلمين غدروا بي ورغبوا إلى العوض .
فجعل ابن قشما يعدّد عليه قبائح أفعاله ، وزكريا يعتذر وهو لا يقبل منه . ثمّ إنّه بكى .
فوضع « 2 » الجماعة على ابن قشما وقتلوه للوقت ، وأخرجوا زكريا من القيد ، فسار إلى عسكر ابن قشما ونادى فيه بأنّ اللّه قد غفر لكم ما سلف .
وأحضر وجوه العسكر فاستمالهم وأسرّ إليهم الغدر بالعمريّ وبالأربعة الذين معه .
ثم استدعى الأربعة وشكرهم بحضرة أصحابه وأمر بالإحسان إليهم ، فلم يبق أحد من الوجوه حتّى برّهم . وصار بهم إلى أخته زوجة ابن قشما وأعلمها بحضرتهم أنّه يريد تزويجها من العمري فرضيت ، ودفع إليها معجّلا عنه . وأمرهم فكتبوا بما جرى إلى العمريّ ، وكتب هو أيضا بذلك ، وأنّه سائر نحوه بالعسكر ، وسأله أن يعدّ لهم النزل ، ولوجوه العسكر الخلع والبرّ . وبعث بالكتب مع غلام لأحد الأربعة . فسرّ العمري
بذلك ، وتقدّم بإعداد ما طلب زكريا .
ثم إن زكريا بدأ بقتل الأربعة ، وعبر بالجيش إلى الشرق يريد العمريّ حتى قرب منه . فقال رجل للعمريّ : إنّ هذا الكافر قد صار معنا بأرض واحدة [ 166 أ ] وهو في ما لا طاقة لنا به .
فقال : على هذا وافقني : أن يسير بالجيش إليّ ويكون في طاعتي .
ثم إنّ زكريا هجم على القوم وهم غارّون فقتل منهم مقتلة عظيمة ، وانهزم العمري وأصحابه ، وتركوا جميع ما معهم لا يلوون على شيء منه .
وانحدر من كان في الجزائر منهم في مراكب فكانوا يبيتون بها ويحمل إليهم الطعام من الجزائر . فدسّ إليهم زكريا رجلا مشهورا بمعرفة طرق الجنادل « 1 * » فأخذه العمريّ وأحسن إليه ودفع إليه ما لا على أن يجوز بهم الجنادل . فأمرهم بشدّ المراكب بعضها إلى بعض وركب في أولاها وسار بهم فسلك طريقا غير مسلوكة حتى وقعوا في الهلكة [ ف ] تركهم ونجا بنفسه عوما في البحر ، فغرق الجميع .
وقدم على زكريا « 2 * » فأقطعه مواضع وقفت عليه وعلى عقبه . وتلف جميع ما بقي لهم من السلاح والرجال فضعفوا ولم يتمكّنوا من الإقامة .
وكان العمريّ بعد الوقعة الأولى قد تحابى « 3 * » وتراجع إليه أصحابه حتى هابته النوبة . وكتب إليه
هامش
( 1 ) نقف رأسه : ضربه يسيرا .
( 2 ) هكذا في المخطوط ، ولعلّها : وثب .
( 1 * ) الجنادل بأسوان : وهي حجارة ناتئة في وسط النيل . وهي موضع قرب أسوان بثلاثة أميال في أقصى صعيد مصر قرب بلاد النوبة ( ياقوت ) . وفي المروج 1 / 144 :
الجنادل والصخور بين أسوان والحبشة 2 / 73 .
( 2 * ) زكريا بن قرقي : خليفة أبيه قرقي ملك النوبة ( اليعقوبي :
بلدان 334 ) .
( 3 * ) في المخطوط : تحابا بالمدّ ، واخترنا القصر من حبا يحبو : ساروا إليه ببطء .