تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
طريقا للورود إلى الماء لا يتجاوزون حدّها ، فامتنعوا من ذلك وقتلوا من أسروا من أصحابه . فشقّ عليه فعلهم وعاد إلى أصحابه واستنفر الناس فاجتمعوا إليه وحلفوا له . فأمرهم بإحضار آلة المعدن . فلمّا حضرت أمر بضربها حرابا . وسار إلى النوبة في غفلة [ 164 ب ] منهم فوقع بموضع يعرف بشنقير قبليّ مدينة دمقلة بنحو من شهرين . والنيل ينعطف في هذا الموضع إلى مطلع الشمس حتى يصير بينه وبين الشنكة بعض نهار يوم ، ثمّ يعود النيل إلى الغرب ويرجع إلى الشرق . فبهذا التعطّف طالت المسافة على سالك النيل . وقد تركت النوبة هذه العطوف وجعلت طريقها المجادب فصارت تقطع مسيرة شهر في يومين . فنكى العمريّ في النوبة وقتل منهم مقتلة عظيمة ، وكثر السبي عند أصحابه حتى إنّ أحدهم كان يحلق رأسه فيعطي المزيّن « 1 » رأسا . وانحازت النوبة إلى الغرب بالمراكب بجميع ما لهم . فاختار العمري جماعة من أصحابه وأمرهم بنفخ القرب والعبور عليها ليلا . وكبس النوبة وأخذ المراكب منهم . واتّفق أنّ واحدا من أصحابه قال بعد ما وصل إلى الغرب : « يا قوم أخرجوني من الماء ، فإنّ التمساح قطع رجلي ! » وكان قد أتى عليه وهو سائر فخشي أن يفسد أصحابه عن عزمهم . فصبر حتى وصلوا إلى حيث النوبة . وأوقع القوم بالنوبة فظفروا ووصلوا إلى الجزائر والغرب بالمراكب التي أخذوها . وكتب العمريّ إلى أسوان يسأل التجّار الخروج إليه بالجهاز من طريق المعدن . فخرج إليه رجل يعرف بعثمان بن حجلة « 1 * » التميميّ في ألف راحلة فيها الجهاز والبرّ . فقام إليه العمريّ وتلقّاه وسرّ بذلك . وكثر رقيقهم بأسوان والمعدن حتى صار أكثر سراريّ أهل البلد من سبي النوبة وعرفوا بالهيكات « 2 * » لرخصهنّ . وكان ملك النوبة حينئذ قيرقي بن زكريا بن بحنس فندب لقتال العمريّ نيوتي بن قشما ، وكان شجاعا ، ودفع إليه أكثر رجاله ، فوقعت بينهما وقائع وحروب يطول شرحها . ثم إنّ نيوتي صالح العمريّ على أن يكون في ناحية من البلد ولا يهيجه ، وخالف خاله قيرقي . فبعث قيرقي بولده الأكبر لمحاربة العمريّ فعجز عنه وهزمه مرارا . فانحاز إلى بلد علوة واستجار بمتملّك علوة أربع سنين لأنّه أقام ببلدهم إلى أن خرج سبع سنين ، فأنجده صاحب علوة . وكان لقيرقي ابن آخر اسمه زكريا فأشار عليه بموادعة العمريّ ومحاربة ابن قشما وأن يندبه لذلك . فسلّم إليه جيشه وبعثه إلى ابن قشما بعد أن أرسل إلى العمري ألّا يدخل بينهما ، فأجابه إلى ذلك . فتحاربت النوبة محاربات كثيرة ، وقد أمرهم العمري أن يخندقوا على عسكره . فانتصر ابن [ 165 أ ] قشما على زكريا وهزم أصحابه وقتلهم ، وفرّ زكريا حتى رمى بنفسه في النيل على فرس ، وصار إلى المشرق ومعه غلامان ، فخاف من العمريّ وابن قشما ، ورأى أنّ العمريّ أخفّ عليه ، فأتاه واستأذن عليه يقول إنّه غلام لزكريا فأذن له . فلمّا دخل إليه سأله عن حاله وخبر زكريا فعرّفه هزيمته وما قتل من رجاله ، وأنّه من غلمانه رغب
هامش
( 1 ) المزيّن : الحلّاق ، وكأنّها كلمة مصريّة منذ وقت المقريزيّ . ( 1 * ) في الخطط 1 / 199 عثمان بن حيخلة . ( 2 * ) العكيات أو الهكيات : لم نجدها في المعاجم بهذا المعنى .