تضع يدك في أيدينا فنبعث بك إلى ابن زياد بن سميّة فيمضي فيك حكمه ، وإمّا أن تحارب ! » فرأى أنّه هو وأصحابه قليل في كثير ، وإن كان اللّه لم يطلع على الغيب أحدا ، وأنّه مقتول . ولكنّه اختار المنيّة الكريمة على الحياة الذميمة . فرحم اللّه حسينا وأخزى قاتله ! لقد كان من خلافهم إيّاه وعصيانهم ما كان في مثله واعظ وناه عنهم . ولكنّه قدر نازل ، وإذا أراد اللّه أمرا لا يدفع . [ أ ] « 1 » فبعد الحسين نطمئنّ إلى هؤلاء القوم ونصدّق قولهم ونقبل لهم عهدا ؟ لا واللّه ! ولا نراهم لذلك أهلا .
أما واللّه لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه ، كثيرا في النهار صيامه ، أحقّ بما هم فيه منهم ، وأولى به في الدين والفضل . واللّه ما كان يبدّل بالقرآن الغناء ، ولا بالبكاء من خشية اللّه الحداء ، ولا بالصيام شرب الخمر ، ولا بالمجالس في حلق [ 144 أ ] الذكر تطلاب الصيد « 2 » . فسوف يلقون غيّا .
فثار إليه أصحابه وقالوا : أظهر بيعتك ، فإنّه لم يبق أحد إذ هلك الحسين ينازعك هذا الأمر !
وكان ابن الزبير بويع سرّا ، وهو إنّما يظهر أنّه عائذ بالبيت . فقال : لا تعجلوا !
هذا وأخبار تبلغ يزيد بن معاوية وقد أمهله سنة . ثمّ بعث إليه عشرة من أهل الشام ، عليهم النعمان بن بشير الأنصاريّ . وكان أهل الشام يسمّون النفر العشرة « الركب » ، وهم : عبد اللّه بن عضاه الأشعريّ ، وروح بن زنباع الجذاميّ ، وسعد بن حمزة الهمدانيّ ، ومالك بن هبيرة السكونيّ ، وأبو كبشة السكسكيّ ، وزمل بن عمرو العذريّ ، وعبد اللّه بن مسعدة الفزاريّ ، وأخوه عبد الرحمن ، وشريك بن عبد اللّه الكنانيّ ،
وعبد اللّه بن عامر الهمدانيّ ، ودفع إلى عبد اللّه بن عضاه سلسلة من فضّة ليقيّد بها عبد اللّه بن الزبير ، فإنّه أعطى اللّه عهدا ليوثقنّه في سلسلة ، وأعطاه برنس خزّ ليلبسه عبد اللّه على السلسلة حتى لا تظهر للناس .
فأقبلوا حتّى قدموا المدينة ، فمرّ بها عبد اللّه بن عضاه على مروان بن الحكم فأخبره بما قدم له ، وأنّ يزيد قد كتب إلى ابن الزبير : « إنّي قد بعثت إليك بسلسلة من فضّة وقيد من ذهب وجامعة من فضّة ، وحلفت لتأتينّي في ذلك » . فبعث معه بابنه عبد العزيز بن مروان وأخيه ، وقال له : [ إذا ] بلّغته رسل يزيد رسالته فتعرّض له وتمثّل بقوله [ الطويل ] :
فخذها فليست للعزيز بخطّة * وفيها مقال لامرئ متذلّل
أعامر إنّ القوم ساموك خطّة * وذلك في الجيران غزلا بمغزل
أراك إذا ما كنت للقوم ناصحا * يقال له بالدلو أدبر وأقبل
فلمّا قدم الركب مكّة وبلّغوا ابن الزبير رسالة يزيد قال عبد العزيز بن مروان لابن الزبير : « إنّ أبي أرسلني عناية بأمرك وحفظا لحرمتك » وأنشده الأبيات .
فقال له ابن الزبير : يا ابني مروان ، قد سمعت ما قلتما . فأخبرا أباكما [ البسيط ] :
إنّي لمن نبعة صمّ مكاسرها * إذا تناوحت النكباء والغير
فلا ألين لغير الحقّ أنملة * حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
ثم قال : « اللهمّ إنّي عائذ ببيتك الحرام ! » فمن يومئذ سمي العائذ .
هامش
( 1 ) زيادة من الطبريّ ، 5 / 475 .
( 2 ) في الهامش حاشية : يعرّض بيزيد . وانظر الكامل 3 / 305 .