الريح اللهب وألقته على الكعبة فاحترقت وما فيها من قرني الكبش الذي فدى اللّه عزّ وجلّ به نبيّه إسماعيل عليه السلام من الذبح حين أمر إبراهيم عليه السلام بذلك .
[ 146 أ ] وقيل : إنّ الكعبة احترقت من نار كان يوقدها أصحاب ابن الزبير حول الكعبة فأقبلت شرارة هبّت بها الريح فأحرقت ثياب الكعبة ، واحترق خشب البيت .
وقتل في حروب ابن الزبير هذه غير واحد ، منهم : المسوّر بن مخرمة ، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف .
[ موت يزيد وانتصاب ابن الزبير خليفة ]
وما زال ابن الزبير محصورا حتى قدم نعي يزيد بن معاوية « 1 » لهلال ربيع الآخر . فبلغه ذلك قبل أن يعلم به الحصين ، وكان الحصار قد اشتدّ على ابن الزبير ومن معه . فأمر أن ينادى : « علام تقاتلون ، وقد هلك طاغيتكم ؟ » فلم يصدّق الحصين ذلك . فما هو إلّا أن أصبح [ حتى ] قدم الخبر بمهلك يزيد فانحلّ أمره . وبعث إلى ابن الزبير فقال : موعد ما بيننا الليلة الأبطح .
فالتقيا وتحادثا . فكان ممّا قال الحصين : أنت أحقّ بهذا الأمر . هلمّ فلنبايعك ، ثم اخرج معي إلى الشام ، فإنّ هذا الجند الذين معي هم وجوه أهل الشام وفرسانهم . فو اللّه لا يختلف عليك اثنان . ولنا عليك أن تؤمّن الناس ، وتهدر الدماء التي كانت بيننا وبينك والدماء التي كانت بالحرّة .
فأبى ابن الزبير أن يهدر الدماء وقال : واللّه لا أرضى أن أقتل بكلّ رجل منهم عشرة !
وكان الحصين يكلّمه سرّا ، وهو يجهر ويقول :
واللّه لا أفعل .
فقال له الحصين : قبّح اللّه من يعدّك بعد هذا داهيا أو أريبا ! وقد كنت أظنّ أنّ لك رأيا : أنا أكلّمك سرّا وتكلّمني جهرا . وأنا أدعوك للخلافة وتعدني القتل والهلكة !
وتركه راحلا إلى الشام بمن معه . فندم ابن الزبير وأرسل إليه : أمّا المسير إلى الشام فلا أفعله . ولكن بايعني ، ثمّ بايع لي أنت ومن معك هناك ، فإنّي مؤمّنكم وعادل فيكم .
فردّ عليه : إن لم تقدم بنفسك لا يمشي الأمر .
ومضى لوجهه . فدعا عند ذلك ابن الزبير إلى نفسه فبايعه من معه بمكّة ودعوه بأمير المؤمنين في جمادى الأولى سنة أربع وستّين . وترك الشعار الذي كان عليه وهو : لا حكم إلّا اللّه . وبعث أخاه عبيد اللّه بن الزبير إلى المدينة فاستولى عليها ، وأخرج منها مروان بن الحكم وابنه عبد الملك بن مروان وسائر بني أميّة فمضوا إلى الشام .
وبعث ابن الزبير عبد الرحمن بن عتبة بن جحدم إلى مصر أميرا عليها فبايعه أهلها .
وقام بالبصرة سلمة بن ذؤيب الحنظليّ في السوق وبيده لواء وقال : أيّها الناس ، هلمّوا إليّ ! إنّي أدعوكم إلى ما لم يدعكم إليه أحد : أدعوكم إلى العائذ بالحرم - يعني عبد اللّه بن الزبير .
فاجتمع إليه ناس وبايعوه . فبلغ ذلك عبيد اللّه بن زياد وهو يومئذ [ 146 ب ] أمير البصرة والكوفة ، وقد ضعف سلطانه عندهم وانتقض أمره . واختفى حتّى فرّ إلى الشام ، وذلك في جمادى الأولى .
فبعث ابن الزبير إلى البصرة عمر بن عبيد اللّه ، ثمّ صرفه بالحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة الملقّب « قباع » « 1 * » .
هامش
( 1 ) مات يزيد بن معاوية للنصف من ربيع الأوّل سنة أربع وستّين . وبويع ابنه معاوية بن يزيد بن معاوية فعاش أربعين يوما ثم مات ( حاشية ) .
( 1 * ) حاشية بالمخطوط : الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة -