الحصى حتى هدأ عنهما الحسّ . ثم انصرفا إلى منازلهما ، فأتى ابن الزبير رواحله فقعد عليها ، وخرج من أدبار داره . ووافاه الحسين للموعد ، فخرجا جميعا من ليلتهم وسلكوا طريق الفرع حتّى مرّوا بالجثجاثة ، وبها جعفر بن الزبير قد ازدرعها ، فانتهوا إليه . فلمّا رآهم قال : أمات معاوية ؟
قال له ابن الزبير : نعم . انطلق معنا وأعطنا أحد حمليك - وكان ينضح على حملين له - .
فقال جعفر متمثّلا :
إخوتي لا تبعدوا أبدا * وبلى واللّه قد بعدوا « 1 »
فقال ابن الزبير ، وقد تطيّر منها : بفيك التراب !
فخرجوا جميعا حتى قدموا [ 143 أ ] مكّة ، وعليها عمرو بن سعيد الأشدق . فلمّا دخلها قال :
أنا عائذ بالبيت وسمّى نفسه العائذ . وقال : أقيم ههنا فأنظر الكعبة وأعوذ بها حتى تنكشف الأمور .
وامتنع من البيعة ليزيد .
ولم يكن يصلّي بصلاتهم ، ولا يفيض من عرفة بإفاضتهم ، بل كان يقف هو وأصحابه بعرفة ناحية .
فولّى يزيد بن معاوية عمر بن سعيد الأشدق المدينة ، وأمره بغزو عبد اللّه بن الزبير . فبعث إليه جيشا نحو الألفين عليهم عمرو بن الزبير لمخالفته على أخيه عبد اللّه في عداوته له ، وقدّم أمامه أنيس بن عمرو الأسلميّ في عدّة . فنزل أنيس بذي طوى ، ونزل عمرو بن الزبير الأبطح . فأرسل عمرو إلى أخيه عبد اللّه : برّ يمين يزيد ، فإنّه حلف أن لا يقبل بيعتك إلّا أن يؤتى بك في جامعة « 2 » من فضّة في عنقك . ولا تضرب الناس بعضهم ببعض ، فإنّك في بلد حرام .
فبعث عبد اللّه بن الزبير بعبد اللّه بن صفوان نحو أنيس فيمن معه من أهل مكّة ومن اجتمع إليه فهزمه بذي طوى ، وأجهز على جريحهم ، وقتل أنيس بن عمرو .
وسار مصعب بن عبد الرحمن إلى عمرو بن الزبير فأجاره . ثمّ أتى عبد اللّه بن الزبير فقال له :
قد أجرت عمرا .
[ انتقام ابن الزبير من أخيه عمرو ]
فقال : أتجير من حقوق الناس ؟ هذا ما لا يصلح . وما أمرتك أن تجير هذا الفاسق المستحلّ لحرمات اللّه .
وأخذ عبد اللّه أخاه عمرا فضربه بكلّ من ضرب وحبسه في سجن عارم « 1 * » ، يرى أنّه أقاد عمرا من كلّ من ضربه إلّا المنذر وابنه محمد بن المنذر بن الزبير فإنّهما أبيا أن يستقيدا منه . فمات عمرو تحت الضرب « 2 * » .
هامش
( 1 ) لم يذكر الطبري 5 / 341 هذا الشاهد المبهم .
( 2 ) الجامعة : قيد أو غلّ للعنق .
( 1 * ) حبس عارم هو حبس مظلم موحش ( مروج 1941 ) - وفي المخطوط حاشية تقول : سمّي عارم بعبد كان لعمرو بن الزبير سجن معه فيه يقال له : زيد عارم . وقيل : كان عارم مولى لعبد الرحمن بن عوف .
( 2 * ) وفي حاشية أخرى : واقتصّ من عمرو بن الزبير رجل من القارة بن الهون ابن خزيمة ، [ يعرف ] بالنّطّاح ، فكان ينطحه فقال عمرو : ما اقتصّ منّي أحد أشدّ من قصاصه - فقال بعضهم : كنت أسمع : « قد أنصف القارة من راماها » ولم أعلم أنّهم جمعوا مع الرمي نطاحا .
واقتصّ من عمرو مخنّث ، فقال له عبد اللّه بن الزبير :
اضرب خصاه !
قال : ليس حقّي في خصاه ، ذاك حقّكم أنتم - وكان عمرو اتّهم ببعض حرم أخيه عبد اللّه .
وأمر عبد اللّه أن يدفن أخوه عمرو في مقابر المشركين فدفن فيها . فرثاه عبد اللّه بن الزبير ( الشاعر ) . وفي خصوص القارة الرماة انظر المعارف ، 65 والهامش 2 ص 280 من ترجمة عبد اللّه ابن عبّاس الآتية برقم 1527 .