تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
فقال : أنا شيخ كبير لا طاقة لي ، لأنّه قد ذهب منّي الأطيبان . فقال له المأمون : لا بدّ من ذلك . فقال الشيخ : « فاسمع ما حضرني » . فقال اقتضابا [ المجتثّ ] :
أبعد ستّين أصبو ؟ * والشيب للمرء حرب شيب وسنّ وإثم * أمر لعمرك صعب يا ابن الإمام ، مهلا * أيّام عودي رطب وإذ شفاء الغواني * منّي حديث وقرب وإذ مشيبي قليل * ومنهل العيش عذب فالآن لمّا رأى بي * عواذلي ما أحبّوا آليت أشرب راحا * ما حجّ للّه ركب !
فقال المأمون : « ينبغي أن تكتب بالذهب » وأمر له بجائزة وتركه . * * * وكان المأمون يتعصّب للأوائل من الشعراء ويقول : « انقضى الشعر مع ملك بني أميّة ! » وكان الفضل بن سهل يقول له : الأوائل حجّة وأصول ، وهؤلاء أحسن تفريعا . * * * وتفرّد المأمون يوما في بعض تصيّده ، فانتهى إلى بعض بيوت البادية . فرأى صبيا يضبط قربة وقد غلبه وكاؤها ، وهو يقول : « يا أبه اشدد فاها ، فقد غلبني فوها ، لا طاقة لي بفيها ! » فوقف عليه فقال : يا فرخ غمّة « 1 * » ممّن تكون ؟ قال : من قضاعة . قال : من أيّها ؟ قال : من كلب . قال : من أيّها ؟ قال : من الأحراء ثمّ من بني كنانة . فمن أنت يا خال ، فقد سألتني عن حسبي ؟ قال : ممّن تبغضه [ اليمن ] كلّها . قال : فأنت إذن من نزار ؟ قال : أنا ممّن تبغضه نزار كلّها . قال : فأنت إذن من مضر ؟ قال : أنا ممّن تبغضه مضر كلّها . قال : فأنت إذن من قريش . قال : أنا ممّن تبغضه قريش كلّها . قال : فأنت إذن من بني هاشم . قال : أنا ممّن تحسده بنو [ 136 أ ] هاشم كلّها . فأرسل فم القربة ودنا إليه وقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته . وضرب بيده إلى شكيمة الدابّة وهو يقول [ الرجز ] :
مأمون يا ذا المنن الشريفة * وصاحب الكتيبة الكثيفة هل لك في أرجوزة ظريفة * أطرف من فقه أبي حنيفة ؟ لا ، والذي أنت له خليفة * ما ظلمت في أرضنا ضعيفة عاملنا مؤنته خفيفة * وما جنى فضلا عن الوظيفة فالذئب والنعجة في سقيفة * واللصّ والتاجر في قطيفة قد سار فينا سيرة الخليفة
هامش
( 1 * ) لم نفهم فرخ الغمّة .