تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
فقال : يا أمير المؤمنين ، واللّه لو قلّدتني الأمّة اختيار إمام لها ما وجدته ، فكيف أجيب محمّدا وأبايعه ؟ لقد كتب إليّ فما أجبته . فقال : صدقت يا أبا عثمان وبررت . فلمّا ولّى قال : من مثلك يا عمرو ؟ وقدم المهديّ من خراسان ، فبنى بامرأته ريطة بنت عمّه أبي العباس بالحيرة في شهر رمضان سنة أربع وأربعين . وحجّ مع المنصور في هذه السنة ، فدعا المنصور عمرو بن عبيد - وقد حجّ أيضا - وأكرمه ، وسأله أن يعظه ، فوعظه . وقضى عمرو حجّته وانصرف فمات في طريقه في آخر السنة . فقال المنصور لمّا بلغه موته : يرحم اللّه عمرا ! هيهات أن يرى مثل عمرو ! وقال الهيثم بن عديّ : لمّا بايع المنصور للمهديّ ، كتب إلى عمرو بن عبيد كتابا لطيفا يستزيره فيه ، وكتب إلى عامله على البصرة في إشخاصه مكرّما . فلمّا صار إليه بالكوفة ودخل عليه استدناه وقال : كيف كنت بعدي أبا عثمان ؟ فقال : أحمد اللّه وأذمّ عملي . فتغرغرت عينا المنصور . ثم قال له : عظني يا أبا عثمان ! [ 101 أب ] فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّ اللّه أعطاك الدنيا بأسرها ، فاشتر نفسك منه ببعضها ، واعلم أنّ الأمر الذي صار إليك ، لو بقي لمن قبلك ، لم يصل إليك . واعلم أنّك أوّل خليفة يموت فاحذر يا أمير المؤمنين ليلة صبيحتها القيامة ، ليلة يتمخض [ . . . ] الفزع الأكبر . إنّ اللّه يقول :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ * إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ
[ الفجر : 6 - 7 ] إلى قوله : « لبالمرصاد » . ثمّ قال : هذا تخويف لمن سلك جادّتهم واتبع آثارهم . فبكى المنصور ونزل عن فرشه ثمّ سكن فقال : « يا أبا عثمان ، ناولني هذه الدواة ! » فأبى أن يناوله ، فقال له : واللّه لتناولنّها ! فقال : واللّه ، لا ناولتك إيّاها ! فقال له المهديّ ، وكان حاضرا : يحلف عليك أمير المؤمنين ، فترادّه باليمين ؟ فقال : إنّ أمير المؤمنين أقدر على الكفّارة منّي . ( ثمّ قال : ) من هذا الفتى يا أمير المؤمنين ؟ فقال : هذا ابن أخيك ، هذا محمد المهديّ وليّ عهد المسلمين . فقال : أرى شبابا وجمالا ونشاطا . وقد رشّحته لأمر يصير إليه إن صار ، وأنت عنه في شغل ، وقد وطّأت له الدنيا وأنت منتقل عنها إلى الآخرة . فهناك الحساب ! إنّ اللّه جعلك فوق كلّ أحد فلا ترض أن يكون فوقك في طاعته أحد ! ثم سكت عمرو . فقال المنصور : سلني حوائجك . فقال : حاجتي ألّا تبعث إليّ حتّى أجيئك ولا تعطيني شيئا حتى أسألك . ثم نفض ثوبه وقام . فأتبعه المنصور بصره وقال : شغل واللّه الرجل بما هو فيه عمّا نحن فيه . وقال : [ الرمل ] :
كلّهم طالب صيد * وهو ذو مشي رويد غير عمرو بن عبيد
ودخل عمرو بن عبيد مرّة على المنصور ، وعليه طيلسان مخرّق ، فأخذ المنصور طيلسانا كان عليه طبريّا فألقاه فوق ظهره ، وقال له : « عظني ! » . فوعظه حتى بكى . ثم قال له : سلني حوائجك . قال : أوّلها أن تأمر برفع الطيلسان عنّي . وألّا تعطيني شيئا حتى أسألك . ولا تبعث إليّ حتى
المقفى الكبير — صفحة 134 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي