عليه إلّا لمسألتي عن أمور أبي مسلم وأمواله ، ثمّ قتلي بعد ذلك » . ثم قام يفرقع أصابعه ويرقص ويقول : « يا أبا جعفر ، غرّ غيري ! » والرسول يراه .
فرجع إلى المنصور فأخبره بما عاين ، ولم يجب [ أبو داود ] المنصور على كتابه . فكتب المنصور إلى أبي عصام عبد الرحمن بن سليم ، مولى عبد اللّه بن عامر بن كريز : إن قتلت أبا داود ، فأنت أمير خراسان !
فخرج أبو عصام إلى كشماهن [ 99 ب ] وقد دسّ إلى أهلها من هيّجهم ليخرج أبو داود فيفتك به .
وسمع أبو داود الضجّة فصعد لينظر فمشى على جناح داره . وكان ضعيف البصر فسقط على وتد ، فقالت امرأته : من ذا ؟
فقال : أنا أبو داود قد نزل بي ما يريد أبو جعفر .
واحتمل فمات ودفن ، وذلك في سنة تسع وثلاثين ومائة . وكتب أبو عصام بموته إلى المنصور . واجتمع الناس إلى أبي عصام فبايعوا للمنصور وأخذ البيعة له عليهم . ولم يلبث إلّا قليلا - قيل : أربعين يوما - حتى ورد عبد الجبّار ابن عبد الرحمن الأزديّ على أربع من دوابّ البريد . وكان على شرط السفّاح ثم على شرط المنصور وقال له : قد ولّيتك خراسان ، فأطع اللّه في معصيتي ، ولا تطعني في معصية اللّه ، ولن للمحسن وكن خشنا للمسيء !
فسار إليها . وولّى المنصور الشرط بعده عمر ابن عبد الرحمن أخاه ثم عزله وولّى موسى بن كعب التميميّ حتّى مات . ثم ولّى بعده المسيّب بن زهير الضبّي . فكان المسيّب يسعى في فساد حال عبد الجبّار عند المنصور ويوحشه منه ويغريه به . وكتب إلى عبد الجبّار أنّ المنصور قال ذات يوم : « من ولي خراسان فأصلح أمر ثغورها وأحسن السيرة في أهلها ورزق جنودها وكان في بيت ماله بعد ذلك عشرة آلاف ألف فهو الكامل » .
فكتب عبد الجبّار إلى المنصور يعلمه أنّ عنده بعد سدّ الثغور وإعطاء المقاتلة عشرة آلاف ألف درهم . فكتب إليه المنصور في حملها . ولم تكن عنده وإنّما كذبه . وألحّ عليه [ 100 أ ] فيها . فكتب يسأل الإذن له في إشخاص عياله إليه ، فلم يأذن له المنصور في ذلك . وكان يبلغه فساد قلبه عليه بما يكيده به المسيّب عنده ويقول له فيه . فخلع وقال :
« إنّ أبا جعفر دعاني إلى عبادته » . وأسرف في القول بعد ما سار سيرة حسنة ، ونظر في أمر الخراج وقوّى الدعوة . فلمّا خلع في سنة إحدى وأربعين ومائة ودسّ إلى قوم من عمّال أبي داود وغيرهم ، ممّن كان مخالصا للعبّاسيّين فقتلهم .
وصار إليه علج ينظر في النجوم فقال له : إنّك ستغلب على خراسان وغيرها وتنال ملكا عظيما .
فكتب رجل من عيون المنصور إليه : « إنّه قد نغل « 1 * » الأديم . فقال لأبي أيّوب المورياني كاتبه ووزيره : ما تراه يقول ؟
قال : بخير أنّ عبد الجبّار على الخلع .
فقال : ما ترى ؟
قال : تكتب إليه أنّك تريد الغزو برجال خراسان ووجوه أهلها ، وتأمره بتوجيههم إليك .
ففعل . فكتب إليه عبد الجبّار : إنّ الترك قد جاشت ، وخراسان محتاجة إلى رجالها .
فكتب إليه المنصور : إنّي بخراسان أعنى منّي بغيرها . فإن أحببت أن يوجّه أمير المؤمنين إليك رجالا ممّن قبله فعل - وإنّما أراد أن يوجّه إليه من الجند من يلطف لأخذه .
فكتب : إنّ خراسان مجدبة ، فليتها تقوم بمن
هامش
( 1 * ) نغل الجلد : فسد عنه الدبغ .