تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
لو كان معي سيفي ما اجترأت أن ترفع عليّ عمودك . فأخذه وأتى به أبا العبّاس ، فأمر به فقطعت يداه ورجلاه وصلب . وخرج على أبي مسلم ببخارى شريك بن شيخ المهريّ وقال : « إنّما بايعناكم على العدل ولم نبايعكم على سفك الدماء والعمل بغير الحقّ » . فاتّبعه أكثر من ثلاثين ألفا . فبعث إليه أبو مسلم زناد بن صالح قبل قتله بسنة أو نحوها - ويقال : بعث غيره - فحاربه فأوقع بأصحابه وقتله . وكان سلم بن قتيبة بن مسلم على البصرة من قبل يزيد بن عمر بن هبيرة ، فلمّا حصر ابن هبيرة وظهر أمر المسوّدة ، كتب سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلّب بن أبي صفرة إلى أبي سلمة الخلّال : « إن ولّيتني البصرة أخذتها لك » . فكتب إليه بولايتها فسوّد ، وجرت بينه وبين سلم مراسلات آلت إلى أن يقيما على هيئتهما حتّى ينظرا ما يصنع ابن هبيرة والمسوّدة . فبلغ ذلك أبا سلمة ، فكتب إلى بلج بن المني بن مخرّبة « 1 » العبدي : إن قاتل سفيان سلما وإلّا فأنت أمير البصرة ! فأعلم بلج سفيان ذلك فقال : لا ، بل أقاتل . فأمسك بلج عن تولّي البصرة . فكتب أبو سلمة إلى الصمّة بن دريد بن حبيب بن المهلّب بعهده على البصرة . فحرّك ذلك سفيان بن معاوية ، وحارب سلم بن قتيبة فانهزم . وأقام سلم بالبصرة نحوا من شهرين ، ثم شخص إلى البادية ، وكتب إلى أبي العبّاس ببيعته فأمّنه ، وكتب عهد سفيان على البصرة باستشارة أبي سلمة . فلمّا قتل أبو سلمة الخلّال أمر أبو العبّاس بعزل سفيان وقال : « هو من عمّال الناكث أبي سلمة » . وولّى البصرة عمر بن حفص بن هزارمرد . ثم ولّى سليمان بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس . واجتمع لأبي العبّاس في سنة ستّ وثلاثين [ ومائة ] فتح السّند وإفريقيّة ، ومكاتبة صاحب الأندلس . [ 82 أ ] فقال لبعض عمومته : سمعت أنّه إذا جاء فتح السند وإفريقيّة مات القائم من آل محمّد ؟ فقال له : كلّا ! فما برح حتّى دعا بدواج « 1 * » لقشعريرة أصابته ، وهاج به الدم . فأشار عليه الأطبّاء بالفصد فلم يقدم عليه فحمّ . ثم خرج به الموم « 2 * » فكان يتقلّب فيبقى جلده على الفراش . فقال له بعض عمومته : كيف أصبح أمير المؤمنين ؟ فقال الطبيب : أصبح صالحا بحمد اللّه ! فسلت « 3 * » ذراعه بيده فتناثر لحمه وقال : كيف يكون صالحا من هذه حاله ؟

[ وفاة السفّاح ]

وتوفّي بالأنبار يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ستّ وثلاثين ومائة ، وهو ابن ستّ وثلاثين سنة أو نحوها . ومولده في ربيع الآخر سنة أربع ومائة . فكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر وأيّاما . وصلّى عليه عيسى بن عليّ - وقيل : عيسى بن موسى . وكان آخر ما تكلّم به أن شهّد ثم قال : إليك يا ربّي ، لا إلى النار ! وكان طويلا أبيض أقنى ذا شعر أسود جعد ،
هامش
( 1 ) الشكل في المخطوط . ( 1 * ) الدواج : معطف كبير . ( 2 * ) الموم : الحمّى . ( 3 * ) سلت ( وزن ضرب ونصر ) الشيء : قطعه .
المقفى الكبير — صفحة 104 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي