قتل زياد ، وذمّ أبا مسلم وأنكر فعله وقال : إنّه قتل رجلا ذا قدم وبلاء حسن في دولتنا ، وبرئ منه ، وقد بعث بعهدي على خراسان » . ودعا قوما إلى حرب أبي مسلم فأجابه قوم منهم سرّا . وخالفه قوم فقتلهم . وكان يومئذ بإزاء قرية وجّهه أبو مسلم إليها ليحارب أهلها . فقدم أبو حميد رسول أبي العبّاس إلى أبي مسلم [ 81 أ ] بخلع وبزّ وبكتاب يلعن فيه زياد بن صالح وأشياعه ، ويصوّب رأي أبي مسلم في قتله . فأمر أبو مسلم أبا داود بقتل عيسى بن ماهان . فكتب إليه : إنّ رسول أمير المؤمنين قدم على الأمير بخلع وبزّ له وللأولياء ، وذكرناك له . فصر إلينا لتشركنا في أمرنا فنعرّفه حالك . فقدم على أبي داود ، فقال : « خذوا ابن الفاعلة ! » وأمر به فأدخل في جوالق « 1 » ، ثمّ ضرب بالخشب حتّى قتل .
فكتب أبو العبّاس إلى أبي مسلم يعظّم قتل عيسى ويأمره بقتل أبي داود به . فكتب في جواب ذلك يعذر أبا خالد بن إبراهيم ، ويذكر أنّ ابن ماهان لو ترك لكان منه مثل الذي كان من زياد بن صالح من إفساد الناس وحملهم على المعصية والخلاف .
وخرج أبو الورد مجزأة بن الهذيل بن زفر الكلابيّ ودعا الناس فأجابه من قيس وغيرهم زهاء سبعة آلاف . وبلغ أبا محمد زياد بن عبد اللّه بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان فطمع وقال : « أنا السفيانيّ الذي يروى أنّه يردّ دولة بني أميّة ! » ونزل دير حنينا فبايعه أبو الورد والناس . فبعث عبد اللّه بن علي بأخيه عبد الصمد بن عليّ إلى السفيانيّ وأصحابه ، وهم بقنّسرين فاقتتلوا فانهزم أصحاب عبد الصمد . وأقبل إليه عبد اللّه بن علي فاقتتلوا في آخر ذي الحجّة سنة اثنتين وثلاثين ، فانهزم أصحاب السفيانيّ وتوارى هو .
وكان بسّام بن إبراهيم مع نصر بن سيّار . فلمّا ظهر أبو مسلم صار إليه ، وقدم مع قحطبة وتوجّه مع عبد اللّه بن عليّ لقتال مروان . فلمّا خلع أبو الورد « 1 * » وبايع أبا محمد السفيانيّ ، ثم هرب السفياني واختفى ، صار بسّام إلى تدمر وعزم على الخلاف لأشياء أنكرها من سيرة عبد اللّه بن عليّ .
فمنعه أهل تدمر من دخولها فقاتلهم وهزمهم وقتل منهم جماعة بعث برءوسهم إلى عبد اللّه بن علي ليوهمه أنّه على طاعته . ثم أظهر الخلاف فانصرف عنه عامّة جنده ، فأتى قرقيسيا . فكتب عبد اللّه بن علي بخبره إلى أمير المؤمنين أبي العبّاس . فسار بسّام إلى المدائن في جمع ، فوجّه إليه أبو العبّاس خازم بن خزيمة فقاتله فانهزم بسّام وصار إلى السوس ، وقد تفرّق عنه أصحابه ، ثم مضى إلى ماه البصرة « 2 * » وخازم يتبعه فتوارى وكتب إلى جعفر بن محمد الصادق : « إن [ 81 ب ] جئتني ضرّبت بين أهل خراسان وبايعت لك » . فخاف جعفر أن يكون أبو العبّاس السفّاح دسّ إليه الكتاب ، فأتى أبا العبّاس بكتاب بسّام فقال له :
أحسن اللّه جزاءك يا ابن عمّ . اكتب إليه فواعده مكانا يلقاك فيه .
فواعده الحيرة ، ووجّه بذلك ابنه إسماعيل بن جعفر . وأمر أبو العبّاس أبا غسّان مولاه وحاجبه بتفقّده ومراعاته . فلمّا رآه أبو غسّان مع إسماعيل بن جعفر ، وقد لبس سوادا ، وليس معه سيف ، قال له : من أنت ؟
قال : رجل من أهل الحيرة من العبّاد .
فرفع أبو غسّان عليه العمود فشتمه بسّام وقال :
هامش
( 1 ) الجوالق والجولق : الكيس .
( 1 * ) خبر انتقاض أبي الورد مجزأة بن كوثر على عبد اللّه بن عليّ مفصّل عند الطبريّ ، 7 / 443 . والخلع منه لعبد اللّه ابن عليّ
( 2 * ) ماه البصرة : قصبتها ( ياقوت ) .