الطريق ولم يشعر به ، فنزع جبّته ولفّها على يده عوضا عن الترس ، وكانت محشوّة قطنا ، وقال لرفقائه : استروني من الأمير لئلّا يراني بلا ترس فيحرد عليّ . فستروه إلى أن تأمّله الأسد فيما بينهم بلا ترس ، فقصده من بينهم وطلبه وطمع فيه .
وأقبل الرجل إليه ، وانكشف لأبي الجيش فرآه بلا ترس فاغتاظ وأنكر سقوط ترسه ، وأمر رفقاءه بأن لا يعاونوه ويتركوه مع الأسد ، فامتثلوا أمره وخلّوا بينه وبين الأسد ، فلم يزل يعاركه ويراوغه حتى تهيّأ السبع ووثب عليه ، فوضع كفّه على كتف الرجل وفتح فمه ، فأدخل الرجل ذراعه في فيه بالجبّة ثمّ سلّ ذراعه من الجبّة وأخرجه من فيه ، وبقيت الجبّة في حلق الأسد ، فاشتغل بإخراجها من حلقه . فلمّا رآه الرجل وقد اشتغل بإخراج الجبّة قبض بيديه جميعا على أذني السبع وأقبل يجذبه يمينا وشمالا ويزيله عن موضعه من بقعة إلى بقعة ، وليس في الأسد فضل ولا وكد إلّا إخراج الجبّة من حلقه ، وقد تشبّكت في فيه وغاصت أسنانه وأنيابه في القطن برطوبة زبده ولعابه وحصل أكثرها في حلقه ، وكلّما أدخل الأسد يده إلى فيه ليجذبها لا تخرج معه إلّا قطعا قطعا ، والرجل يجذبه بأذنيه فكانا كالرجلين يصطرعان ويتعاركان . فصاح أبو الجيش : زه واللّه زه [ 446 أ ] واللّه ! خلّوه معه فما يخاف بعد هذا عليه . ثمّ قال : يا غلام ، رطل ! - فجاءه برطل نبيذ فشربه . وكان معه محمد بن إسحاق بن كنداج وأحبّ أن يريه أنّ معه في رجاله من ينازع السباع هذه المنازلة ، وأمر أن يؤتى برطل فأتي به فشربه .
فلمّا بقي السبع في يدي الرجل ساعته ، قيل لأبي الجيش : أيّها الأمير ، ما بقي على هذا الرجل حجّة ، وقد وجب أن يعاون على قتل هذا الأسد .
فقال أبو الجيش لرفقائه : عاونوا صاحبكم فقد استحقّ ذلك . - فدخلوا إلى السبع فلم يزالوا يضربونه بأسيافهم حتى قطّعوه قطعا . وحزّ ذلك الرجل رأسه وأقبل به يحمله بأذنيه إلى أبي الجيش فرماه بين يديه ، فضحك أبو الجيش وقال له : بارك اللّه فيك ! يا غلام ، بدرة ! - فأتي ببدرة دراهم فدفعت إليه . فقال الرجل : تقطّعت جبّتي أيّها الأمير حتّى ما أرجع منها إلى شيء . - فضحك أبو الجيش وأمر له بثوب ديباج وعمامة خزّ وشقّتين ديبقيّ وثوب شرب ، وقال : كم رزقك في الشهر ؟
قال : عشرة دنانير .
فأمر أن تجعل ثلاثين دينارا ، وزاد لكلّ واحد من رفقائه في رزقه عشرة دنانير . وانصرف أبو الجيش ، وأهل القرية مبتهلون له بالدعاء ، إلى أن انصرف إلى الرملة .
وكان أبو الجيش يجري الحلبة في أيّامه .
وكانت إذا أجريت في أيّام الطولونيّة قامت مقام الأعياد . وكان يجلس في المنظر يتأمّل الخيل كيف تقبل . فجلس يوما على عادته ، فإذا بفرسين قد أقبلا [ و ] قد رمى أحدهما بفارسه ، وقد قربا من باب المدينة . فنظر الفرس الذي رمى بفارسه سائسه الذي ربّاه وعني به ، وهو راكب . فمرّ حتّى سايرهما قليلا قليلا ، وترفّق حتى أنسا به وصار ثالثهما ، وقد جعل الفرس بينه وبين الآخر ، وهو يحرّك معهما . واستشرفه الناس ورموه بأبصارهم واشتغلوا به حتى إذا كان بينه وبين المنظر مقدار غلوة سهم ، جمع رجليه فوق ظهر دابّته ووثب ، فإذا هو على الفرس العربيّ الذي رمى بصاحبه .
وحثّه بالسوط وأحرقه وحرّكه ، فدخل سابقا ، ودخل صاحبه مصلّيا بعد أن كان يقدّر فيه أنّه هو السابق . فعجب الناس من حيلته ، وأعجب ذلك أبا الجيش وسرّه وضحك وأمر له بجائزة غير السبق ، وسأل عن رزقه فزاد فيه .
المقفى الكبير — صفحة 469
مساهمون: المقريزي
ص٤٦٩