يعزمه أن يطلّقها ، فطلّقها . فعدل الناس عليه يعزّونه عنها ، فكان فيمن أتاه عمرو بن عتبة بن أبي سفيان . فأوقع الحجّاج بخالد فقال : كان الأمر لآبائه فعجز عنه حتى انتزع منه .
فقال له عمرو بن عتبة : لا تقل ذا أيّها الأمير ، فإنّ لخالد قديما [ ما ] سبق إليه وحديثا لم يغلب عليه « 1 » ، ولو طلب الأمر لطلبه بحدّ وجدّ ، ولكنّه علم علما فسلّم الأمر إلى أهله .
فقال الحجّاج : يا آل أبي سفيان ، أنتم تحبّون أن تحلموا ، ولا يكون الحلم إلّا من غضب ، فنحن نغضبكم في العاجل ابتغاء مرضاتكم في الآجل .
ثمّ قال الحجّاج : واللّه لأتزوّجنّ من هي أمسّ منها به رحما ، لم يمكنه فيه شيء « 2 » .
فتزوّج أمّ الجلاس بنت عبد اللّه بن خالد بن أسعد .
[ اشتغاله بالكيمياء ]
ويذكر أنّ من جود خالد أنّه قيل له : لقد جمعت أكبر شغلك في طلب الصنعة ؟
فقال : ما أطلب بذاك إلّا أن أغني أصحابي وإخواني . إنّي طمعت في الخلافة فاختزلت دوني ، فلم أجد منها عوضا إلّا أن أبلغ آخر هذه الصنعة ، فلا أحوج أحدا عرفني يوما أو عرفته إلى أن يقف بباب سلطان رغبة أو رهبة .
ويقال إنّه صحّ له عمل الكيمياء ، وله في ذلك عدّة رسائل وكتب . وله شعر كثير في هذا المعنى يبلغ نحو خمسمائة ورقة . ومن كتبه فيها « 3 » :
كتاب الخرزات . كتاب الصحيفة الكبير . كتاب الصحيفة الصغير . كتاب وصيّته إلى ابنه في الصنعة [ 437 أ ] .
ويقال إنّ ملك الصين كتب إلى معاوية بن أبي سفيان : أمّا بعد ، فإنّي قد أرسلت إليك هديّة وليست بهديّة ، ولكنّها تحفة . فابعث إليّ بما جاء [ به ] نبيّكم من حلال وحرام « 4 » ، وابعث من يبيّنه لي والسلام . - وكانت الهديّة كتابا من سرائر علومهم ، فصار إلى خالد بن يزيد بن معاوية ، وكان يعمل منه الأعمال العظيمة من الكيمياء وغيرها .
ويقال إنّه هو الذي وضع ذكر السفيانيّ وكثّره ، وأراد أن يكون للناس فيهم مطمع حين غلبه مروان بن الحكم على الملك .
وذكر الزبير قال : حجّ خالد بن يزيد بن معاوية سنة قتل الحجّاج بن يوسف عبد اللّه بن الزبير .
فخطب رملة بنت الزبير ، فبلغ ذلك الحجّاج فأرسل إليه حاجبه وقال له : قل لخالد : ما كنت أراك تخطب إلى آل الزبير حتى تشاورني ، ولا كنت أراك تخطب إليهم وليسوا لك بأكفاء . وقد قارعوا أباك على الخلافة ورموه بكلّ قبيح .
فأبلغه الرسالة . فنظر إليه خالد طويلا ثمّ قال :
لو كانت الرسل تعاقب لقطّعتك آرابا ثمّ طرحتك على باب صاحبك . قل له : ما كنت أظنّ أنّ الأمور بلغت بك أن أشاورك في مناكحة قريش . وأمّا قولك أن ليسوا لك بأكفاء ، فقاتلك اللّه يا حجّاج :
يكون العوّام كفؤا لعبد المطّلب يزوّجه صفيّة ، ويتزوّج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خديجة بنت خويلد ، ولا تراهم أكفاء لآل أبي سفيان ؟ وأمّا قولك : قارعوا
هامش
- الكفويّ ( وجابر توفّي سنة 200 ه ) .
( 1 ) في العقد 6 / 122 العبارة أوضح : لو طلب بقديم لم يغلب عليه ، أو بحديث لم يسبق إليه .
( 2 ) في المخطوط : من هو - وفي النصّ نقص .
( 3 ) هنا حاشية بخطّ مغاير تقول : نصّ على خلاف المشهور من أنّ أوّل مصنّف في الإسلام جابر بن حيّان الصوفيّ -
( 4 ) في المخطوط : بما جاء بينكم من حرام وحرام .