ما عنده . فالحمد للّه على إنجاح سعيي وتبليغي أملي ، وإليه أرغب في العون على أداء شكره وتوفيقي لمرضاته ، وهو حسبي ونعم الوكيل » .
وذكر المنصور أنّه لمّا وقف في المضيق صعد رجل على صخرة يرميه بالحجارة ويقلب الصخور عليه ، وهو لا يستطيع أن يتحرّك لضيق الموضع ، وإذا برجل قد جاء إلى ذاك الرجل من ورائه فرماه برمح فقتله وحزّ رأسه . فأمره أن يحمل الرأس إلى المضرب وينتظره ليكافئه . فلمّا تراجع إليه الناس وعاد إلى المعسكر وجد الرأس بين يديّ المضرب فعرفه . وطلب قاتله فلم يجده ، فعلم أنّ ذلك من نصر اللّه له .
[ المناظرة بين المنصور وأبي يزيد ] :
وأحضر المنصور أبا يزيد بعد أخذه بيوم فقال :
« أي عدوّ اللّه وعدوّ دينه ، كيف رأيت صنع اللّه ؟ ألم ينصر اللّه الحقّ على قلّة أنصاره ويخذل الباطل على كثرة أعوانه ؟ » . وقرأ قوله تعالى :
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ
[ الأنفال : 48 ] .
فرفع أبو يزيد رأسه وقال : قد أقدرك اللّه ، والعفو أولى بك .
فقال له : تكلّم آمنا مطمئنّا : ما الذي اعتددت على أمير المؤمنين - يعني القائم بأمر اللّه - حين خرجت عليه ؟
فقال : كان أبو القاسم كريما حوله قوم سوء أحدثوا هذه القبالات « 1 » التي فيها الجور على المسلمين ، فقمت لذلك منكرا أريد إصلاح أمور الناس .
قال : فهل علمت أنّ ذلك من رأي أمير المؤمنين وأمره ؟
قال : لا أعلم .
قال : فهلّا رفعت ذلك إليه وأطلعته عليه ؟
فإن « 2 » غيّر المنكر ، كان الذي أردت ، وإن هو لم يفعل اتّخذت ذلك [ 195 ب ] حجّة عليه ؟
فسكت . قال : كأنّك إنّما قمت محتسبا ؟
قال : نعم .
قال : وهل غيّر الإسلام ونقض شريعة محمّد عليه السلام غيرك ؟
قال : كيف ؟
قال : بما ارتكبت من المحارم واحتقبت من العظائم ، وسفكت من الدماء ، وهتكت من الحرمات .
قال : فعل ذلك قوم سوء تبعوني .
قال : عن معرفة منك بهم أم عن جهل ؟
قال : عن جهل .
قال : فإذا كنت لا ترى الحجّة عليك بفعل أصحابك ، فمن أين رأيت الحجّة واجبة على أمير المؤمنين من فعل عبيده في أقاصي البلدان ، وملكه بحمد اللّه كالبحر الذي فيه الجواهر والغثاء ؟
فسكت . قال المنصور : ما تقول في بني كملان هؤلاء خاصة ؟
قال : قوم سوء ملاعين .
قال : قد نقضت قولك وأكذبك اللّه على لسانك إذ زعمت أنّك جاهل بأهل الشرّ من أصحابك . ثمّ هذا قولك في بني كملان ، وهم عمدتك وأصحابك ، فالويل لك من اللّه !
هامش
( 1 ) القبالة : ضريبة المالية يفرضها الحاكم على رعاياه ( دوزي ) .
( 2 ) في المخطوط : وإن .