تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
ما عنده . فالحمد للّه على إنجاح سعيي وتبليغي أملي ، وإليه أرغب في العون على أداء شكره وتوفيقي لمرضاته ، وهو حسبي ونعم الوكيل » . وذكر المنصور أنّه لمّا وقف في المضيق صعد رجل على صخرة يرميه بالحجارة ويقلب الصخور عليه ، وهو لا يستطيع أن يتحرّك لضيق الموضع ، وإذا برجل قد جاء إلى ذاك الرجل من ورائه فرماه برمح فقتله وحزّ رأسه . فأمره أن يحمل الرأس إلى المضرب وينتظره ليكافئه . فلمّا تراجع إليه الناس وعاد إلى المعسكر وجد الرأس بين يديّ المضرب فعرفه . وطلب قاتله فلم يجده ، فعلم أنّ ذلك من نصر اللّه له .

[ المناظرة بين المنصور وأبي يزيد ] :

وأحضر المنصور أبا يزيد بعد أخذه بيوم فقال : « أي عدوّ اللّه وعدوّ دينه ، كيف رأيت صنع اللّه ؟ ألم ينصر اللّه الحقّ على قلّة أنصاره ويخذل الباطل على كثرة أعوانه ؟ » . وقرأ قوله تعالى :
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ
[ الأنفال : 48 ] . فرفع أبو يزيد رأسه وقال : قد أقدرك اللّه ، والعفو أولى بك . فقال له : تكلّم آمنا مطمئنّا : ما الذي اعتددت على أمير المؤمنين - يعني القائم بأمر اللّه - حين خرجت عليه ؟ فقال : كان أبو القاسم كريما حوله قوم سوء أحدثوا هذه القبالات « 1 » التي فيها الجور على المسلمين ، فقمت لذلك منكرا أريد إصلاح أمور الناس . قال : فهل علمت أنّ ذلك من رأي أمير المؤمنين وأمره ؟ قال : لا أعلم . قال : فهلّا رفعت ذلك إليه وأطلعته عليه ؟ فإن « 2 » غيّر المنكر ، كان الذي أردت ، وإن هو لم يفعل اتّخذت ذلك [ 195 ب ] حجّة عليه ؟ فسكت . قال : كأنّك إنّما قمت محتسبا ؟ قال : نعم . قال : وهل غيّر الإسلام ونقض شريعة محمّد عليه السلام غيرك ؟ قال : كيف ؟ قال : بما ارتكبت من المحارم واحتقبت من العظائم ، وسفكت من الدماء ، وهتكت من الحرمات . قال : فعل ذلك قوم سوء تبعوني . قال : عن معرفة منك بهم أم عن جهل ؟ قال : عن جهل . قال : فإذا كنت لا ترى الحجّة عليك بفعل أصحابك ، فمن أين رأيت الحجّة واجبة على أمير المؤمنين من فعل عبيده في أقاصي البلدان ، وملكه بحمد اللّه كالبحر الذي فيه الجواهر والغثاء ؟ فسكت . قال المنصور : ما تقول في بني كملان هؤلاء خاصة ؟ قال : قوم سوء ملاعين . قال : قد نقضت قولك وأكذبك اللّه على لسانك إذ زعمت أنّك جاهل بأهل الشرّ من أصحابك . ثمّ هذا قولك في بني كملان ، وهم عمدتك وأصحابك ، فالويل لك من اللّه !
هامش
( 1 ) القبالة : ضريبة المالية يفرضها الحاكم على رعاياه ( دوزي ) . ( 2 ) في المخطوط : وإن .
المقفى الكبير — صفحة 91 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي