ولده إلى الأمير تنكز نائب الشام بجواهر ثمينة ، وسألته إقامة ابنها الأفضل محمّد على مملكة حماة ، وأن يشفع إلى السلطان في ولايته . فأجاب سؤالها ، وبعث البريد إلى السلطان بذلك . فكثر أسف السلطان على فقد المؤيّد ، وحزن عليه .
وقبل شفاعة تنكز في الأفضل وأنعم عليه بحماه على قاعدة أبيه وجدّه ، ورسم بإحضاره كما قد ذكر في ترجمته « 1 » .
وكان المؤيّد كريما فاضلا عارفا بالفقه والطبّ والفلسفة وغير ذلك ، وله يد طولى في الهيئة ، ومشاركة جيّدة في غالب العلوم . وكان يحبّ أهل العلم ويقرّبهم ويؤويهم إليه . واختصّ بأمين الدين عبد الرحمن بن عمر الأبهريّ ، وأجرى له ما يكفيه ورتّب للجمال محمّد بن نباتة الشاعر في كل سنة ستّمائة درهم يبعث بها إليه إلى دمشق ، سوى ما يتحفه به .
ونظّم كتاب « الحاوي « 2 » في الفقه » على مذهب الشافعيّ ، وكان يعرفه معرفة جيّدة .
وله كتاب التاريخ « 3 » ، حوى ، مع اختصاره ، فوائد جليلة .
وله كتاب « الكنّاس » ، عدّة مجلّدات كثيرة .
وكتاب « تقويم البلدان » ، أبدع فيه وأجاد . وكتاب « الموازين » ، وشعره جيّد .
وكان السلطان [ الملك الناصر ] يكتب إليه :
« أخوه محمّد بن قلاوون ، أعزّ اللّه أنصار المقام الشريف العالي السلطان الملكي المؤيّدي العمادي » بلا مولوي [ 184 ب ] « 4 » ، ويكتب إليه
الأمير تنكز : نقبّل الأرض بالمقام الشريف العالي المولويّ السلطاني الملكيّ المؤيّدي العمادي - وفي العنوان : صاحب حماة . ويكاتبه سائر النّواب بتقبيل الأرض ، ونهى « 5 » .
وقدم مرّة ومعه ابنه الأفضل محمّد إلى القاهرة فمرض [ الأفضل ] ، فأرسل إليه السلطان رئيس الأطبّاء جمال الدين إبراهيم ابن المغربيّ ، فلازمه بكرة وعشيّا ، حتّى برئ ، والمؤيّد يبحث [ 158 أ ] معه في ذلك المرض ، ويقرّر دواءه ، ويطبخ له الشراب بيده في دست من فضّة ، حتّى كان ابن المغربيّ يقول له : يا خوند ، أنت واللّه ما تحتاج إليّ . وما أجيء إلّا امتثالا لأمر السلطان .
فلمّا عوفي الأفضل أعطى المؤيّد لابن المغربي بغلة بسرج ولجام وكنبوش زركش ، وتعبئة قماش ، ومبلغ عشرة آلاف درهم ، وقال له : يا مولانا ، اعذرني ، فإنّي لمّا خرجت من حماه ما حسبت مرض هذا الابن ، فأمهلني حتّى أتوجّه إلى حماة .
ومدحه شعراء زمانه ، وأجازهم .
وفرّق كثيرا من كتبه ، ووقف منها جملة .
ورثاه ابن نباتة « 6 » بقصيدة أوّلها [ بسيط ] :
ما للنّدى لا يلبّي صوت ناديه * أظنّ أن ابن شادي قام ناعيه
ومن شعر المؤيّد [ كامل ] :
اقرأ على طيب الحيا * ة سلام صبّ ذات حزنا
واعلم بذاك أحبّة * بخل الزمان بهم وضنّا
هامش
( 1 ) ترجمة الأفضل محمّد بن إسماعيل مفقودة .
( 2 ) الحاوي في الفقه للقزويني انظر ج 1 / 201 ه 4 .
( 3 ) هو مختصر تاريخ البشر .
( 4 ) هكذا في المنهل 2 / 400 أيضا . والمولويّ ترد في مراسلات تنكز الآتية .
( 5 ) لم نفهم كلمة ونهى هنا .
( 6 ) محمّد بن محمّد بن محمّد بن الحسن الفارقيّ ( ت 768 ) .