وغنم منهم شيئا كثيرا ، وقطع المدد أن يصل لهم إلى مدينة دمياط ، وهم يومئذ بها مالكون لها ، حتى اشتدّ الغلاء عندهم وصاروا محصورين . ثمّ أخذوا في أوّل ذي الحجّة من [ / ] المراكب التي في بحر المحلّة سبع حراريق ونجا من كان بها من المسلمين .
وفي ثانيه بعث السلطان بالأمير حسام الدين أبي عليّ ليقيم بدار الوزارة من القاهرة على عادته في النيابة .
وفيه وصل إلى السلطان الشيخ عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام ، والبهاء عليّ بن هبة اللّه بن الجمّيزى ، وجماعة من العلماء ، فجلس معهم وناظرهم حتى أعجبوا به .
وفي يوم عرفة ظفر باثنين وثلاثين شينيا فيها ميرة للفرنج ، فعظم البلاء عليهم من الغلاء .
وبعثوا في طلب الهدنة على أن يسلّموا مدينة دمياط ويعوّضوا عنها بالقدس . فلم يجبهم إلى ذلك . فأخذوا في الاستعداد للهرب وأحرقوا في سابع عشرينه أخشابهم وكثيرا من أثقالهم ورحلوا في ليلة الأربعاء ثالث المحرّم سنة ثمان وأربعين من منزلتهم بفارسكور « 1 » وانحدرت مراكبهم في النيل قبالتهم يريدون دمياط . فركب المسلمون أقفيتهم وقد عدّوا إلى البرّ الذي هم فيه . فما طلع صباح يوم الأربعاء إلّا وقد أحاطوا بالفرنج ووضعوا فيهم السيوف يقتلون ويأسرون حتى بلغت عدّة القتلى عشرة آلاف في قول المقلّ ، وثلاثين ألفا في قول المكثر . واستشهد من المسلمين نحو مائة رجل . والتجأ ريدافرنس ملك الفرنج في خاصّته إلى تلّ [ المنية ] وطلب الأمان ، فأمّنهم الطواشي جمال الدين محسن الصالحيّ
وأنزلهم على أمانه وساقهم إلى المنصور . وقيّد الملك ريدافرنس وسجن في دار فخر الدين إبراهيم بن لقمان كاتب الإنشاء بالمنصورة ، ووكّل به الطواشي صبيح المعظّمي ، وسجن معه أخوه وأجري له ما يكفيه « 2 » .
وأمر السلطان بقتل الأسرى ، فتقدّم إليهم سيف الدين الطودي وصار يقتل منهم في كلّ ليلة ما بين الثلاثمائة إلى الأربعمائة ، ويلقيهم في البحر حتى أتى على جميعهم .
ورحل السلطان من المنصورة ، ونزل فارسكور بالدهليز السلطانيّ ، وقد نصب به برجا من خشب ، وأقبل على اللهو .
[ رسالته إلى الوزير يبشّره بالنصر ] :
وكتب بخطّه إلى الأمير جمال الدين موسى بن يغمور كتابا ، فيه بعد البسملة : [ من ] ولده توران شاه .
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
[ فاطر : 34 ] .
وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
[ آل عمران : 126 ] ،
وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ
[ الروم :
4 - 5 ] ،
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
[ الضحى : 11 ] ،
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
[ إبراهيم : 34 ] .
نبشّر المجلس السامي [ 342 ب ] الجماليّ ، بل نبشّر المسلمين كافّة بما منّ اللّه به على المسلمين من الظّفر بعدوّ الدين ، فإنّه كان قد استفحل أمره واستحكم شرّه ، ويئس العباد من البلاد والأهل والأولاد ، فنودوا
وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ
[ يوسف : 87 ] . ولمّا كان يوم الاثنين مستهلّ السنة المباركة - تمّم اللّه على الإسلام بركتها ! - فتحنا الخزائن وبذلنا الأموال وفرّقنا السلاح وجمعنا العربان والمطوّعة وخلقا لا يعلمهم إلّا اللّه ،
هامش
( 1 ) قرية من مديريّة الدقهليّة ؛ السلوك 1 / 346 هامش 2 .
( 2 ) ضبط ناشر السلوك 1 / 356 هامش 2 أسماء أمراء الإفرنج المأسورين . وريدا فرنس تعني ملك فرنسا لويس التاسع .