تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
فجاءوا منّ كلّ فجّ عميق ومكان سحيق . فلمّا كان ليلة الأربعاء تركوا خيامهم وأموالهم وأثقالهم ، وقصدوا دمياط هاربين . وما زال السيف يعمل في أدبارهم عامّة الليل ، وقد حلّ بهم الخزي والويل . فلمّا أصبحنا يوم الأربعاء قتلنا منهم ثلاثين ألفا ، غير من ألقى نفسه في اللجج . وأمّا الأسرى فحدّث عن البحر ولا حرج . والتجأ الفرنسيس « 1 » إلى المنية وطلب الأمان فأمّنّاه وأخذناه وأكرمناه . وتسلّمنا دمياط بعون اللّه وقوّته وجلاله وعظمته » . ثمّ ذكر كلاما طويلا . وبعث مع الكتاب غفارة « 2 » الملك ريدافرنسيس ، فلبسها ابن يغمور ، وكانت من أشكرلاط أحمر بفروسنجاب . فقال نجم الدين [ محمد ] بن إسرائيل في ذلك [ الخفيف ] :
إنّ غفّارة الفرنسيس قد جا * ءت حباء لسيّد الأمراء « 3 » ببياض القرطاس في اللون ، لكن * صبغتها سيوفنا بالدّماء
وقال أيضا [ الطويل ] :
أسيّد أملاك الزمان بأسرهم * تنجّزت من نصر الإله وعوده فلا زال مولانا يبيح حمى العدى * ويلبس أسلاب الملوك عبيده

[ تنكّره لرجال الدولة ] :

وأخذ المعظّم في [ إ ] بعاد رجال الدولة ، وأخرج الملك المغيث فتح الدين عمر ابن العادل أبي بكر ابن الكامل من قلعة الجبل إلى الشوبك واعتقله بها . وأخرج الملك السعيد فخر الدين حسن ابن العزيز عثمان ابن العادل أبي بكر ابن أيّوب من القاهرة إلى دمشق فقبض عليه ابن يغمور واعتقله . وعزل الأمير حسام الدين أبا عليّ من نيابة السلطنة وأقام عوضه بالقاهرة في النيابة الأمير جمال الدين آقوش النّجيبيّ ، واطّرح جانب أبي عليّ ، وبعث يتهدّد شجر الدرّ حظيّة أبيه ويطالبها بالأموال والجواهر . فخافت من هوجه وخفّته . وكاتبت المماليك البحريّة بما توعّدها به المعظّم ، وذكّرتهم بما قامت به عند موت السلطان الملك الصالح من ضبط الدولة حتى قدم المعظّم ، وأنّه جازاها على ذلك بتهديدها على ما ليس عندها . فحنقوا لها وحرّك كتابها إليهم كوامن في أنفسهم ، منها أنّه كان قد وعد الفارس أرقطاي لمّا جاءه إلى حصن كيفا بإمرة فلم يف له ، فتنكّر عليه في باطنه ، ومنها أفعاله التي لم يعهدوها من أبيه ، ومنها تغييره الأحوال واطّراحه لجانب أهل الدولة وإعراضه عن البحريّة وإبعاده لترابي أبيه وغلمانه « 4 » وتقديمه عليهم جماعته القادمين معه وتوليته إيّاهم الوظائف السلطانيّة . وكان قد جعل طواشيه مسرورا أستادار ، وأقام صبيحا العبد الحبشيّ الفحل أمير جاندار وأنعم عليه بمال جزيل وإقطاع كبير ، وأمر أن تصاغ له عصا من ذهب . وأكثر من الإرعاد والإبراق على البحريّة حتى إنه كان إذا جلس مع ندمائه في الليل للمعاقرة يجمع ما بين يديه من الشموع ويضرب رءوسها بسيفه حتى تنقطع ويقول : هكذا أفعل بالبحريّة ! - ويسمّيهم بأسمائهم .
هامش
( 1 ) الفرنسيس يعني بها ملك الإفرنج . ( 2 ) الغفارة : رداء أو معطف ، وأشكرلاط كلمة دخيلة بمعنى أحمر قان ، وريدا فرنسيس هو ملك الفرنج ، وظنّ المقريزيّ أنّ هذا هو اسمه . ( 3 ) في المخطوط : التي جاءت ، والإصلاح من ذيل الروضتين 184 . ( 4 ) السلوك 1 / 350 حيث عدّد هذه المساوىء ، وتراب أبيه لم ندر هل هم أترابه أم مربوه .
المقفى الكبير — صفحة 364 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي