نعمة طائلة ، فأقبلت على القصف واللهو حتى أتيت عليها وأفضيت إلى بيع الديار والعقار . فلمّا لم أدع شيئا أرجع إليه ، ولم تكن لي صنعة أتصرّف بها ، رأيت أنّ مكابدة الفقر ومسألة الناس في غير بلد الإنسان الذي يعرف به أستر ، فتحمّلت إلى هذه البلدة .
قال : وما تعرف صنعة تعود عليك بقوتك ؟
قال : لا ، إلّا أنّي أغنّي بالعود غناء لا أحكمه ولا أرضاه .
قال : فغنّ ! فإن كان غناؤك ممّا ينفق ببلدنا أخذت جذرا « 1 » تنفق منه . وإن كان ممّا لا ينفق سترت على نفسك وتحمّلت قوتك ما بقيت وبقيت .
وأحضر له عودا فغنّى غناء مقصّرا لو سأل عليه جذر درهم واحد لما وجده . فقال له : استر حالك ، ويدك مع يدي فيما ملكت ، وثوبك مع ثوبي .
فأقام على ذلك مدّة من الزمان . ثمّ إنّ المصري قال للبغدادي : ويحك ! قد سنح لي رأي ، وو اللّه ما أشير به عليك لأنّي ضقت من مقامك .
قال : اذكر رأيك .
قال : تنظّف اليوم ثيابك ، فإذا كان الغداة لبست وتطيّبت وتصدّيت لقاء الأمير تميم وعرّفته أنّك من وجوه أهل بغداد وأنّك كنت في نعمة فزالت عنك . وقل : [ 331 أ ] « إنّي رفعت من بلدي قاصدا إليك ومعوّلا بعد اللّه عليك ، وليست لي حرفة تعود عليّ ، إلّا أنّي أغنّي غناء لا أحمده » ، ونظرت إلى ما يكون منه وعدت إلى حالك عندي .
ففعل البغداديّ ذلك ووافى الأمير تميما عند
ركوبه فسلّم عليه وذكر له ما أوصاه به صاحبه .
فالتفت إلى حسن الطّرّاز فقال له : احمل الرجل واحتفظ به ، فإذا أنا عدت من قصر أمير المؤمنين ، ذكّرتني به .
فلمّا عاد إلى قصره واستقرّ به مجلسه وحضر ندماؤه دعا البغداديّ وكان عنده حسن بن الجزّاز وقسّام ونحرير وابن الحويلا « 2 » وجماعة من كبراء المغنّين المذكورين بمصر . فلمّا أكلوا وشربوا غنّى القوم على مراتبهم حتى انتهوا إليه . فأمر الأمير بعوده فوضع في حجره فضرب وغنّى . فتغامز المغنّون وضحكوا منه ، فغضب الأمير تميم وقال :
« أبضيفي تستخفّون ومنه تضحكون ؟ » فأطرق القوم إجلالا له ومهابة . فلمّا كان في آخر المجلس قال للبغداديّ : أين منزلك ؟
قال : واللّه يا مولاي ما لي منزل ، وما نزلت إلّا عند رجل حرّ تحمّل ضيافتي منذ وصلت إلى هذه البلدة ، وأنا أتعرّض في كلّ يوم إلى رؤيتك فإذا أمكنتني قطعتني هيبتك .
فدعا بحسن الطّرّاز قهرمانه ، فقال له : احمل إلى حجرة هذا كفايتها من الفرش والآنية والأطعمة والأشربة . واحمل إليها جاريتين لفراشه وخادمين لخدمتها وابعثهنّ مع قلاوون الصقلبي وعرّفه أنّي وهبته له ومره بلزوم دهليزه .
فلمّا خرج البغداديّ قرّبت إليه بغلة فارهة بسرج محلّى ومعه غلامان ، ومشى به حسن حتى أنزله في الدار . فلمّا كان من غد وحضر الندماء ، دعا به فجاء في ثياب نفيسة وبزّة حسنة . فلمّا طعموا وشربوا جاء حسن قهرمانه ، فقال له : يا مولاي أنفذ فلان الوكيل على ضيعة كذا بثلاثة آلاف دينار .
هامش
( 1 ) الجذّر : القطع ، وجذر الدرهم : الجزء المقطوع منه خلافا للدرهم الصحيح الذي مرّ .
( 2 ) لم نجد هذه الأسماء في مراجعنا .