تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١

[ اعتقله قلاوون وأفرج عنه الأشرف خليل ] :

فلمّا ولي قلاوون السلطنة داراه مدّة ، ثمّ قبض عليه في أوّل صفر سنة إحدى وثمانين وستّمائة ، واعتقله في الجبّ « 1 » بقلعة الجبل ، إلى أن أفرج عنه الملك الأشرف خليل في يوم الأربعاء ثامن عشر شعبان سنة تسعين ، وكتب له إفراجا سلطانيّا نسخته : « الحمد للّه على نعمه الكاملة ، ومراحمه الشاملة ، وعواطفه التي أضحت [ بها ] « 2 » بدور الإسلام بازغة غير آفلة ، ومواهبه التي تجول وتجود وتحيي رميم الآمال في يومها بعد رمسها بأمسها في أضيق من اللحود ، ويقرّ لها بالفضل كلّ جحود . أحمده حمدا يعيد سالف النعم ، ويفيد آنف الكرم ، الذي خصّ وعمّ . وأشهد أنّ لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، شهادة نؤدّي حقوقها ونجتنب عقوقها ، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله ، المبعوث بمكارم الأخلاق ، والمنعوت بالحلم والعلم على الإطلاق ، صلاة لا تزال عقودها حسنة الاتّساق [ صلّى اللّه عليه ] وسلّم تسليما كثيرا » . « وبعد ، فإنّ أحقّ من عومل بالجميل ، وبلغ من مكارم هذه الدولة القاهرة الرجاء والتأميل ، من إذا ذكرت أبطال الإسلام كان أوّل مذكور ، وإذا وصفت الشجعان كان أمام صفّ كلّ شجاع مشهور ، وإذا تزيّنت سماء الملك بأنجم كان بدرها المنير ، وإذا اجتمع ذوو الآراء على امتثال أمر كان خير مشير ، وإذا عدّت أوصاف أولي الأمر كان أكبر أمير ، كم تجمّلت المواكب من حوله بأعلى قدر ، وترتّبت المراتب منه بأبهى بدر ، وهو المقرّ الأشرف العالي المولويّ الكبيريّ البدريّ بيسريّ الشمسيّ الصالحيّ النجميّ الملكيّ الأشرفيّ ، فهو الموصوف بهذه الأوصاف والمدح ، والمعروف بهذه المكارم والمنح . فلذلك اقتضى حسن الرأي الشريف العالي المولويّ السلطانيّ الملكيّ الأشرفيّ الصلاحيّ - لا زالت الكرب في أيّامه تكشف ، والبدور تكتسي في دولته الغرّاء شرفا ولا تخسف - أن يفرج عنه في هذه [ الساعة ] من غير تأخير ، ويمثل بين يدي المقام الأعظم السلطانيّ بلا استئذان نائب ولا وزير ، إن شاء اللّه » . وجعل الإفراج في كيس أطلس أصفر ، وختم عليه بخاتم السلطان ، وتوجّه به إلى الجبّ الأمير بدر الدين بيدرا نائب السلطنة ، والأمير زين الدين كتبغا في جماعة من أكابر الأمراء . وأخرج [ بيسريّ ] من الجبّ بقلعة الجبل ، وقرئ عليه الإفراج ، ورسم بكسر قيده ، وأحضر إليه التشريف السلطان [ يّ ] . فقال : لا نفكّ القيد ولا نلبس التشريف إلّا بعد أن نمثل بين يدي السلطان - وصمّم على ذلك . فأعلم السلطان بما قال ، فرسم بفكّ القيد وحضوره بما عليه من هيئة السجن . فكسر القيد وحضر . فعند ما رآه السلطان انتصب له قائما وتلقّاه وأكرمه ، وألبسه التشريف وأجلسه بجانبه ، وأنعم عليه بأموال جزيلة وأقمشة كثيرة ، وأمّره لوقته على مائة فارس بإقطاع جليل ، من جملته منية بني خصيب دربستا « 3 » بالجوالي والمواريث الحشريّة « 4 » . وقرّبه وأدناه واختصّ به في خلواته ، فكان
هامش
( 1 ) جبّ القلعة : وصف المقريزيّ هذا المطبق الفظيع في السلوك 2 / 310 وفي الخطط 3 / 306 . ( 2 ) نقل ناشر السلوك 1 / 769 هامش 4 نصّ هذا الإفراج نقلا عن نهاية الأرب للنويريّ . والإكمال منه . ( 3 ) دربستا كلمة فارسيّة بمعنى : كاملة ( حاشية ناشر السلوك 1 / 770 رقم 1 وص 884 حاشية 7 ) . ( 4 ) المواريث الحشريّة هي التركات التي لا وارث لها ، فتعود إلى خزانة السلطان . السلوك 1 / 770 حاشية 2 .