تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
إلى الوطاق ونزلوا بالدهليز « 1 » السلطانيّ وعقدوا السلطنة لبيدرا وأجلسوه في مرتبة السلطان وقبّلوا الأرض وحلفوا على الوفاء له ولقّبوه بالملك الأوحد - وقيل : بالملك المعظّم ، وقيل : الملك القاهر - وذلك في يوم السبت عاشر المحرّم سنة ثلاث وتسعين وستّمائة . فأوّل ما بدأ به أن قبض على بيسري ، وبكتمر السلاح دار أمير جندار وأمر بقتلهما . فقام الأمراء وشفعوا فيهما . وركب من فوره تحت السناجق ، والأمراء بين يديه ، وسار يريد القاهرة . وكان الأمير كتبغا قد توجّه للصيد في طائفة من الأمراء . فلمّا بلغه قتل السلطان أقبل مسرعا إلى الوطاق ، فلقي الأمير برغلي ، وبيبرس الجاشنكير ، والحسام لاجين الأستادار ، وبكتوت العلائيّ ، وجماعة المماليك السلطانيّة . فساروا جميعا في [ 322 أ ] إثر بيدرا يريدون قتاله . فلحق بيدرا الزّردخاناه وهي سائرة عند المساء ، فسأله من فيها عن السلطان فقال : أنا قتلته . فقال له الأمير بيبرس أمير جاندار : يا خوند ، هذا الذي فعلته كان بمشورة الأمراء ؟ قال : نعم ، أنا قتلته بمشورتهم وحضورهم ، وها هم كلّهم حاضرون ، وأشار إلى الأمير لاجين نائب الشام ، وقراسنقر نائب حلب ، وبيسري وغيره . ثمّ شرع يعدّد مساويء الملك الأشرف ومخازيه ، واستهزاءه بالأمراء ومماليك أبيه ، وإهماله لأمور المسلمين وتوليته الوزارة لابن السلعوس ، ونفور الأمراء منه لمسكه الأمير عزّ الدين أيبك الأفرم ، وقتل الأمير سنقر الأشقر وجرمك وطقصو وغيره « 2 » ، وتأميره مماليكه ، وقلّة دينه ، وشربه الخمر في شهر رمضان ، وفسقه بالمردان .

[ انتقام كتبغا من قاتلي الأشرف ] :

وسأل عن الأمير كتبغا فلم يره ، فما هو إلّا أن طلع النهار يوم الأحد إذ أقبل الأمير كتبغا في طلب كبير نحو الألفي فارس من المماليك السلطانيّة والأمراء . فالتقى بالأمير بيدرا في الطرّانة « 3 » ، وقد رتّب كتبغا جماعة ترمي بالنشّاب على بيدرا . وحمل بنفسه وبمن معه عليه حملة منكرة وقال : يا بيدرا ، أين السلطان ؟ - ورماه بسهم ، وتبعه الرماة ، فلم يثبت بيدرا وانهزم وتفرّق عنه أصحابه ، والطّلب في إثره ، إلى أن أخذ فقطعت يده ثمّ كتفه قصاصا منه بما فعله بالأشرف . ثمّ قطعت رأسه ورفعت على رمح وسيّرت إلى القاهرة ، فطيف بها . ووجد في جيبه رقعة فيها فتيا نصّها : ما يقول فقهاء الإسلام في رجل يشرب الخمر في شهر رمضان ويفسق بالمردان ولا يصلّي ؟ فهل على قاتله ذنب أم لا ؟ - فكتب في الجواب : يقتل ولا إثم على قاتله .

[ تخوّفه من السلطان ] :

ومن غريب ما وقع أنّه لمّا ولّاه الأشرف نيابة السلطنة دخل عليه المجد عيسى ابن الخشّاب وهو في خلوة ، فقبّل يده وهنّأه ، فقال له : يا مجد الدين ، تهنّئني بأمر أنا أخشى عقباه وأنشد [ الطويل ] :
ومن يحمد الدنيا لشيء يسرّه * فسوف لعمري عن قليل يلومها
هامش
( 1 ) الوطاق والدهليز : الخيمة . ( 2 ) هؤلاء خنقهم الأشرف خليل سنة 691 : تشريف الأيام والعصور لابن عبد الظاهر 281 . ( 3 ) هي طرنوت القديمة ( مركز كوم حمادة اليوم ) ؛ النجوم 8 / 16 هامش 1 .