فامتدّت أيدي العامّة ، وهدموا عدّة كنائس بفتوى الشيخ نجم الدين أحمد بن محمد بن الرفعة . وجمع القضاة والفقهاء للنظر في ذلك ، فصرّح ابن الرفعة بوجوب هدمها ، وامتنع ابن دقيق العيد من [ 312 ب ] الفتوى بهدمها ، ووافقه الفقهاء على ذلك . فغلّقت الكنائس بإقليم مصر مدّة سنة حتى بعث الأشكري « 1 » متملّك القسطنطينيّة يشفع في فتحها ففتحت عدّة كنائس حينئذ . واستمرّ النصارى بسائر المملكة من دمقلة ببلاد النوبة إلى الفرات يلبسون العمائم الزرق واليهود يلبسون العمائم الصفر ، ولا يركب أحد منهم فرسا ولا بغلة . وهم على هذا إلى اليوم .
ثمّ خرج من القاهرة هو والأمير سلّار وأكثر الأمراء للنصف من ربيع الأوّل سنة إحدى وسبعمائة إلى الصعيد ، وكانت واقعة العرب كما ذكرت في ترجمة الملك الناصر محمد بن قلاوون ، وعاد .
فخرج حاجّا في أوّل ذي القعدة سنة إحدى وسبعمائة ، ومعه ثلاثون أميرا ، فدخل مكّة ، شرّفها اللّه تعالى . وقبض على الشريفين رميثة وحميضة ابني أبي نمّي وحملهما إلى القاهرة ، وأقام في إمارة مكّة أخويهما عطيفة وأبا الغيث ، وقدم إلى القاهرة أوّل يوم من المحرّم سنة اثنتي [ ن ] وسبعمائة ، ومعه الشريفان مقيّدين ، فسجنهما .
[ مشاركته في وقعة شقحب ] :
ثم سار إلى دمشق في ثامن رجب سنة اثنتين
وسبعمائة ، ومعه من الأمراء طغريل الإيغانيّ ، وكراي المنصوريّ ، وبيبرس الدوادار ، وسنقر شاه ، ولاجين الروميّ ، بمصافّهم « 2 » ، وثلاثة آلاف من الأجناد . وذلك لأنّ غازان نازل قلعة الرحبة ، وبها علم الدين سنجر الغتميّ ، فلاطفه مدّة حتى رحل عنه عائدا إلى بلاده ، وجهّز ثمانين ألفا مع قطلو شاه أحد عظماء دولته إلى الشام . فدخل بيبرس دمشق في نصف شعبان ، وكتب يستحثّ السلطان على القدوم إليه . فخرج ببقيّة العسكر من قلعة الجبل حتى وافى ظاهر دمشق ، فكانت وقعة شقحب « 3 » التي انهزمت فيها جيوش التتار وقتل أكثرهم ، وأبلى بيبرس فيها بلاء عظيما وقاتل بنفسه قتالا مشهورا ، هو وسلّار ، إلى أن كشف اللّه بهما التتار وهزمها ، كما ذكر في ترجمة الناصر محمد بن قلاوون . وعاد معه إلى قلعة الجبل في شوّال .
فندب زوج ابنته الأمير برلغي إلى الحجاز ، وبعثه أمير الركب ، وجهّز معه الكتب إلى الشريفين أبي الغيث وعطيفة أميري مكّة [ 271 ب ] بأن لا يؤذّن في الحرم بحيّ على خير العمل ، ولا يتقدّم بالحرم إمام زيديّ يؤمّ بالزيديّة في الصلوات الخمس ، وأن تترك البدع التي أحدثت في جوف الكعبة ، وهي أنّهم زعموا أنّ بها شيئا سمّوه :
« العروة الوثقى » ، وكان الحاجّ يقاسي في صعوده إلى الكعبة حتى يمسك هذه العروة أمورا شديدة ، وتنكشف فيها عورات النساء . وأحدثوا أيضا مسمارا بالكعبة « 4 » ، فيجد الناس في مسّه ألما
هامش
( 1 ) الأشكري لقب أباطرة بيزنطة منذ القرن السابع هجري / الثالث عشر ميلادي وهو محرّف عن اسم أوّل إمبراطور بعد استيلاء الصليبيّين على القسطنطينيّة ، وكان اسمه تيودور لاسكاريسLascaris( عن السلوك 1 / 179 هامش 2 ) . وانظر قاموس روبار الأعلام تحت هذا الاسم .
( 2 ) المصافّ مفاعل من صافّ العساكر أي رتّبهم للحرب .
( 3 ) وقعة شقحب في رمضان 702 . وانظر تفاصيلها في السلوك 1 / 930 وما يليها .
( 4 ) شرح ابن حجر في الدرر 1 / 503 أمر المسمار ، فقال :
ولمّا حجّ بيبرس قلع المسمار الذي في وسط الكعبة ، وكان العوامّ يسمّونه « سرّة الدنيا » . ينبطح الواحد منهم -