[ ولاؤه للمنصور ولبنيه ] :
وكان أشقر اللون مستدير اللحية ، يوصف بعقل ودين وتنزّه عن الفواحش من المحرّمات . فأنعم عليه بإمرة طبلخاناه ، ومال إليه المماليك البرجيّة إلى أن مات المنصور ، ومدّة أيّام الأشرف خليل بن قلاوون ، إلى أن قتل [ الأشرف ] بتروجة ، فكان أوّل من نعاه وأشاع قتله فحلّ كلفتاه وصاح :
« وا سلطاناه ! » ، فركب العسكر [ . . . ] وانضمّ إلى الأمير كتبغا وقاتلوا الأمير بيدرا قاتل الملك الأشرف وقتلوه وأقاموا في السلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون « 1 » ، وقام الأمير كتبغا بتدبير أمور المملكة . وجعل بيبرس أستادار السلطان عوضا عن الأمير لاجين المعروف بالحسام الأستادار ، بحكم أنّه بقي أتابك العساكر . فلم يتمّ ذلك سوى أيّام يسيرة حتى فسد ما بين الأمير سنجر الشجاعيّ وزير الدولة وبين الأمير كتبغا نائب السلطنة وقبض الشجاعيّ على عدّة من الأمراء ، منهم بيبرس الجاشنكير من الموكب السلطانيّ في يوم الخميس ثاني عشرين صفر سنة ثلاث وتسعين وستّمائة . بعد ما ضرب بدبّوس على رأسه ضربة لم يزل [ 270 ب ] بعد ذلك أثرها في رأسه . وحمل هو والأمير برلغي إلى الإسكندريّة فسجنا بها إلى أن تسلطن لاجين ، فأخرجه فيمن أخرج من الأمراء ، وأنعم عليه بإمرة في مصر .
فلمّا قتل لاجين « 2 » كان من جملة الأمراء الذين دبّروا أمر مصر بعد قتله . والتفّت الطائفة البرجيّة بأسرها عليه وائتمروا بأمره ، وقامت الطائفة الصالحيّة والمنصوريّة كلّها مع الأمير سلّار .
[ اقتسام الحكم بينه وبين سلّار ] :
فلمّا قدم الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك وأعيد إلى السلطنة ، استقرّ بيبرس أستادارا ، وسلّار نائب السلطنة ، وقاما بتدبير سائر الأمور ، وقدّم كلّ منهما حاشيته ، ولم يجعلا للناصر من الأمر سوى مجرّد الاسم فقط . وقوي مع ذلك جانب البرجيّة وصارت لهم حمايات كثيرة ، وتردّد الناس إليهم في الأشغال ، والقائم بذلك كلّه بيبرس [ 311 ب ] . فوقع التحاسد بينهم وبين الصالحيّة أتباع سلّار . وعظم بيبرس عن مباشرة الأستاداريّة ، فاستناب فيها عنه الأمير علم الدين سنجر الجاوليّ وحكّمه في جميع أمورها ، واشتغل هو بتدبير الأمور ، إلّا أنّه يتأدّب مع الأمير سلّار النائب ، ويركب بين يديه .
ولمّا تحرّك غازان محمود ملك التتار لأخذ بلاد الشام ، خرج هو وسلّار بالناصر من القاهرة في عساكر مصر إلى غزّة ، فثار به الأويراتيّة وضربه برنطاي [ ف ] جرح بوجهه ، وكانت الفتنة التي ذكرت في ترجمة الناصر محمد بن قلاوون « 3 » .
فلمّا سكنت الفتنة ، أخذ البرجيّة في إغراء بيبرس بسلّار ، وأنّه قد وافق السلطان على إمساك بيبرس .
فدارى سلّار الحال حتى رضي بيبرس ، وساروا جميعا إلى الحرب ، فوافاهم غازان على وطأة حمص . فعند ما توافق الفريقان عرض لبيبرس حمّى حادّة وأخذه إسهال مفرط لم يقدر معه أن يثبت على الفرس . فركب المحفّة واعتزل القتال .
فلمّا كان من الكسرة على حمص ما كان وعادت العساكر إلى مصر في ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وستّمائة وتجهّزت لحرب غازان مرّة ثانية ، سار بيبرس وسلّار بالعساكر إلى دمشق في شعبان
هامش
( 1 ) هذه السلطنة الأولى سنة 693 .
( 2 ) قتل لاجين سنة 698 .
( 3 ) ترجمة الناصر محمد بن قلاوون رقم 3265 .