فلمّا عاد الملك الناصر إلى الملك بعد المظفّر بيبرس الجاشنكير أعاده إلى الدواداريّة في يوم الخميس ثاني شوّال سنة تسع وسبعمائة ، وأضاف إليه نيابة دار العدل ونظر الأحباس . ثمّ استقرّ في نيابة السلطنة بعد القبض على الأمير بكتمر الجوكندار ، وخلع عليه في يوم السبت ثامن عشر جمادى الأولى لسنة إحدى عشرة بعد ما استعفى من النيابة ، فلم يعفه .
وباشر النيابة إلى أن قبض عليه في يوم الاثنين ثاني ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة ، وسجنه هو وآقوش الأفرم وسنقر الكماليّ في أربعة أمراء أخر « 1 » . وولي بعده النيابة الأمير أرغون الناصريّ . فلم يزل في السجن إلى أن أفرج عنه بشفاعة أرغون النائب ، وأحضر من الإسكندريّة هو والأمير بهادر آص في ثامن عشر جمادى الآخرة سنة سبع عشرة [ وسبعمائة ] ، فلزم بيته . وكانت مدّة سجنهما نحو الخمس سنين .
ثمّ أنعم عليه بإمرة ثمانين بديار مصر على إقطاع مغلطاي ابن أمير مجلس وخلع عليه وجلس رأس الميسرة في [ . . . ] سنة ثمامي عشرة . وحجّ في سنة ثلاث وعشرين . ومات ليلة الخميس خامس عشرين شهر رمضان سنة خمس وعشرين وسبعمائة عن ثمانين سنة ، ودفن بتربته خارج القاهرة .
وكان أميرا حشما كثير الأدب عاقلا ، له صدقات ومعروف . وأنشأ مدرسة بسويقة العزيّ خارج باب زويلة تعرف بالمدرسة الدواداريّة ورتّب فيها درسا للحنفيّة وجعل لها أوقافا دارّة .
وكان يخرج من داره في السحر ومعه الدراهم فيتصدّق بها سرّا .
وألّف تاريخا سمّاه : « زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة » ، يدخل في أحد عشر سفرا ، ويقال إنّه استعان في تأليفه بكاتبه [ أبي البركات ] « 2 » ابن كبر النصرانيّ .
وكان يجلس رأس الميسرة ، وكان حنفيّ المذهب له اشتغال بالفقه . وأجيز بالفتوى والتدريس . وكان يلزم الصلوات الخمس في الجماعة ويحيي ليله صلاة وقراءة ، ويقضي نهاره بسماع الحديث والبحث في العلوم .
وكان دائم البشر طلق الوجه لا يسمع غيبة أحد ولا يرى بالنميمة مع العفّة والديانة . وكان يخرج زكاة ماله وعشر غلّاته « 3 » .
1004 - بيبرس الجاشنكير [ - 709 ] « 4 »
[ 311 أ ] بيبرس الجاشنكير المنصوريّ ، السلطان الملك المظفّر ، ركن الدين .
كان يعرف أوّلا بالعثمانيّ . وملكه الملك المنصور قلاوون ، فترقّى في الخدم ، وعمله جاشنكير فعرف بذلك .
هامش
( 1 ) زاد في السلوك 2 / 117 لميلهم إلى قراسنقر .
( 2 ) في النجوم 9 / 117 هامش 1 : كاتبه شمس الرئاسة ركبي النصراني .
وابن كبر القبطي له ترجمة في دائرة المعارف الإسلامية ، الملحق 5 - 6 / 389 ( ت بين 720 و 726 ) . وفي الكشف 952 : هو تاريخ في 11 مجلدا مرتّب على السنوات انتهى به إلى سنة 724 .
( 3 ) ختم ابن تغري بردي ترجمته في المنهل بهذا التعليق الطريف : « فهؤلاء كانوا هم الأمراء ، لا مثل أمراء عصرنا ، هذه البقر العاجزة » .
( 4 ) أعيان العصر 2 / 71 ( 488 ) ؛ الوافي 10 / 348 ( 4843 ) ؛ النجوم 8 / 232 ؛ دائرة المعارف الإسلاميّة 2 / 1160 ؛ الدرر 2 / 36 ( 1373 ) ؛ المنهل 3 / 467 ( 718 ) ؛ السلوك 2 / 45 ؛ الخطط 2 / 416 .