تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
وأشار بحفره ، والتزم بعمل ذلك من ماله . فأجابه السلطان لهذا وتقدّم إلى جميع الأمراء بالعمل معه فيه ، وكتب إلى ولاة الأعمال بمساعدته « 1 » . فسار للعمل في شهر رجب سنة عشر وسبعمائة ، ولم تمض إلا نحو العشرين يوما حتى اجتمع من رجال النواحي نحو أربعين ألف راجل ، وحضر مباشرو الأمراء ، ووقف مع بكتوت مع العمل الأمير بدر الدين محمد بن كيدغدي ابن الوزيريّ وجميع الولاة حتى كمل . فكان قياسه من فم البحر إلى سنيار ثمانية آلاف قصبة ، ومثلها إلى الإسكندريّة . وكان الخليج في الأصل من حدّ شنيار يدخل الماء إليه ، فجعل فم هذا البحر يرمي إليه وجعل عمّقه ستّ قصبات في عرض ثماني قصبات . فلمّا وصل إلى حدّ الخليج الأوّل حفر بمقدار الخليج المستجدّ فصار شيئا واحدا ، وركّب عليه السدود والقناطر . ووجد في الخليج صهاريج فيها رصاص كثير جدّا ، أنعم السلطان به عليه ، فجاء في غاية الحسن . وأنشئ عليه بلد عرفت بالناصريّة ، وأنشئ عليه فوق المائة ألف فدّان ونحو ستمائة ساقية وأربعين ضيعة . وسارت فيه مراكب التجّار واستمرّ الماء فيه دائما ، واستجدّ بالإسكندريّة عليه نحو الألف غيط وعمّرت منه بلاد كثيرة ، انتقل إليها عالم كثير بعد ما كانت سباخا . ثمّ أنشأ أيضا جسرا : فإنّ بحر المالح كان إذا هاج تعذّر سلوك المسافرين إلّا بمشقّة وخطر ، وصار هناك بحيرة عظيمة . فأقام ثلاثة أشهر يعمل رصيفا مبنيّا بالحجارة والجير ، وأحكم أساسه بالرصاص ، وركّب عليه نحو الثلاثين قنطرة ، وأنشأ بجانبه خانا ، وأقام به خفراء وسوقة يبيعون المآكل ونحوها [ 294 أ ] ، ووقف عليه أرضا تقوم بمصالحه . فجاء مصروف هذا الجسر نحو الستّين ألف دينار ، قام بها من ماله . وكان خواصّه يلومونه على كثرة المصروف فيقول : دعه يذهب في وجه نؤجر عليه ، ويكون لي ذخيرة في الآخرة . فلمّا فرغ منه رافعه صهره إلى السلطان وأغراه بكثرة أمواله ، فاستدعاه ، فما هو إلّا أن توجّه من الإسكندريّة [ حتى ] مرض . وقدم القاهرة مريضا . فاستدعى السلطان أمين الملك عبد اللّه بن الغنّام - وكان يومئذ يلي استيفاء الدولة - وكتب أوراقا تتضمّن ما قاله صهر بكتوت من المرافعة ، فبلغت أربعمائة ألف دينار عينا ، وبعث بها إليه مع الأمير بهاء الدين أرسلان الدوادار وابن الغنّام . فلمّا قرئت عليه قال : قبّلا الأرض بين يدي مولانا السلطان وعرّفاه عن مملوكه أنّه : [ إن ] كان راضيا عنه ، فكلّ ما كتب في هذه الأوراق كذب . وإن كان غير راض فكلّ ما كتب صحيح . وها أنا قد قربت من الموت ، وكلّ ما لي فهو المتصرّف [ فيه ] وسنجتمع عند اللّه . فمات في مرضه هذا في ثامن عشرين رجب سنة إحدى عشرة وسبعمائة . وكان من الأمراء الأعيان الشجعان أرباب المروءات والعصبيّات والمكارم الكثيرة والذكاء . وخلّف مالا عظيما احتوى السلطان عليه . وأنشأ خارج باب زويلة من القاهرة مسجدا ، ووقف أوقافا متعدّدة على أنواع البرّ « 2 » .
هامش
( 1 ) عرض المقريزي لهذه الأشغال الكبيرة في السلوك أيضا 2 / 111 . ( 2 ) تذييل في الهامش : هذا الأمير من عقلاء الأمراء ، فإنّه علم أنّ ماله مأخوذ فتحيّل في إنفاقه في طرق الخيرات ، فأرغم عدوّه وحاسده ، وأبقى له ثناء مستمرّا وثوابا مدّخرا ، رحمه اللّه .