شهد بكّار بن قتيبة القاضي بمصر والإسكندريّة ونواحيهما على ما سمّي ووصف في هذا الكتاب من أوّله إلى آخره ، وعلى إحسان أمير المؤمنين أعزّه اللّه إلى الناكث أبي أحمد بن جعفر المتوكّل على اللّه ، وتفضّله عليه ، وما كان من تعدّيه على أمير المؤمنين وغدره ، وأنّ الناكث أبا أحمد قد استحقّ بما كان منه خلعه وترك الدعاء له . وكتب بكّار بن قتيبة بيده .
وصار الخاطب إذا دعا لأمير المؤمنين في أعمال أحمد بن طولون قال بعد الدعاء : اللّهمّ أكفه من ظلمه وحصره ، واستنقذه ممّن أسره وجار عليه وقهره - يريد الموفّق - ثمّ يدعو للمفوّض للّه جعفر بن المعتمد ووليّ عهده ولأحمد بن طولون فقط .
وخرج أمر الموفّق إلى أمصاره بلعن أحمد بن طولون على ما فعله من خلعه [ ويقول ] : إنّ اللّه عزّ وجلّ قد قرن بطاعته وطاعة رسوله طاعة أولي الأمر الذين انتخبهم اللّه لإعزاز دينه وإقامة معالمه ، فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
[ النساء : 59 ] . وإنّ عدوّ اللّه المباين لجماعة المسلمين المعروف بأحمد بن طولون أظهر ما كان منه من معصية وشقاق ، وكفر ونفاق ، فيما بين أقاصي المغرب إلى أكناف العراق ، ومرق عن الدين ، وخالف أمير المؤمنين ، وأخرب ثغور المسلمين ، وقاتل فيها المجاهدين ، بأهل الفسق من المخالفين ، واستباح حرمهم ، وسفك دماءهم . فلمّا تبيّن أمير المؤمنين أمره وعرف كفره وغدره ، تبرّأ إلى اللّه عزّ وجلّ منه ، ولعنه لعنا ظاهرا ، وأمر بلعنه [ 283 أ ] ليلحقه ذلك من خواصّ الأولياء وعوامّ الرعايا . اللّهمّ ، العنه
لعنا يفلّ حدّه ، ويتعس جدّه ، ويجعله مثلا للغابرين ، إنّك لا تصلح عمل المفسدين ، يا ربّ العالمين .
وسار أحمد بن طولون إلى مصر ، وبعث إلى بكّار بعد ما أسقط من مصر وغيرها اسم الموفّق وأزاله من على الطراز . فسأله عن امتناعه من لعن الموفّق ، وقال : تتوقّف عن خلع رجل حصر الخليفة وحجر عليه وأسره واستبدّ بالأمر دونه ؟
مثل هذا أيؤمن على المسلمين أو على خلافة ربّ العالمين ؟
فقال بكّار لرسوله : قل له : أنت أوردت عليّ كتابا من الخليفة بتولية الموفّق العهد . فإن أوردت عليّ كتابا منه أنّه خلعه ، خلعته ، وإلّا لم أقل في هذا شيئا .
قال : صدقت ، أتيتك بكتاب منه بتقليده العهد . فلم يرع عهده ، وهو نافذ الأمر مطاع القول . وإنّه اليوم محصور مأسور مضيّق عليه .
فقال بكّار : ما أقول في هذا شيئا بغير حجّة .
فقال أحمد بن طولون : أنت شيخ قد خرفت ونقص عقلك وأعجبك قول الناس : بكّار ! بكّار !
ثم أمر به فحبس .
[ بعض مناقب بكّار ] :
ومن مناقب بكّار أنّ أحمد بن طولون بقيت له بقيّة كبيرة من خراج على بعض المتقبّلين فاستتر وتغيّب ، وعمد قبل استتاره إلى ربع نفيس في ملكه يفي بما عليه من الخراج ويفضل ، فحبسه على ولده وخرج عن مصر . فرفع الخبر إلى ابن طولون فطلبه فلم يدركه . فطلب القاضي بكّار [ ا ] وقال له :
صاحبك - يعني أبا حنيفة رحمه اللّه - يقول بحلّ بيع الحبس في الدّين . نحلّ حبس هذا الهارب منّا ونأخذ مال السلطان منه .
هامش
- القضاء في سنة ستّ وسبعين ومائتين .