فرسي مجاهدا في سبيل اللّه .
فذكرا له ما يتخوّفا [ ن ] ه بعد وفاته من كثرة المغرم للديوان . فلم يعبأ بكلامهما ، وهما في ذلك إذ قدم الأميران بالمسموح ، فخرجا إليهما وقالا لهما : لا تطيلا في الحديث معه فإنّه قد تغيّر عقله واختلط .
فصدّقاهما فيما قالا ، ودخلا عليه ، وعرّفاه ما قال ولده عنه للسلطان بحضرة الأمراء ، وأنّه يسلّم عليه . وقد أجاب سؤاله وأخرج الإقطاع وكتب المسموح - وأخرجاه إليه - ثمّ بلّغاه سلام الأمراء عليه ، وأنّهم يقولون له : لو لم تبعث ولدك بهذا ما أخرج الإقطاع عنك بوجه من الوجوه ، وأنّه قد رتّب لك في كلّ شهر خمسة آلاف درهم .
فلمّا بلّغاه هذا اشتدّ غضبه وقال : قطع السلطان خبزي ؟
قالا : نعم - وأعادا عليه ما قاله ولده .
فالتفت إليه وقال : أنت سألت في ذلك ؟
قال : نعم .
فسبّه . وقال للأميرين : قولا للسلطان والأمراء : ما كنت أستحقّ أن يقطع خبزي قبل الموت ، وهم يعرفون ما فعلته معهم . وكان أملي أن أموت في الجهاد . ولذلك كنت أخرج كلّ سنة إلى الغزو في سبيل اللّه فلم يقدّر اللّه ذلك .
ثمّ استدار بوجهه إلى الحائط ، فقاموا عنه .
فتمادى مرضه إلى أن مات في يوم [ . . . ] ربيع الآخر سنة ستّ وسبعمائة عن ثمانين سنة .
وكان كثير الصدقة خيّرا وافر الحرمة في كلّ دولة ، فارسا شجاعا ، له مقامات مشهورة في الحرب . ورأى من الحظّ شيئا طائلا في مدّة طويلة ولم ينكب قطّ . وقلّ سنة لا يخرج فيها إلى الغزاة .
وكان يبعث النفقة لمن يخرج معه من الأمراء والمقدّمين ، ويعمّهم بالشعير والأغنام . واقتنى المماليك الحشميّة النافعة . وكانت أخبازهم من عشرين ألف درهم في السنة إلى عشرة آلاف وهي أقلّها . وكان يكره من يتحدّث عنه في أمر المملكة ومتعلّقاتها . وكان الملك المنصور قلاوون يبالغ في تعظيمه بحيث قال لنائبه الأمير طرنطاي : ما بقي في الأمراء غير أمير سلاح إذا قلت فارس الجبل ما يردّ وجهه عن عدوّه وإذا حلف ما تحوّل وإذا قال صدق ، ولا يتطلّع إلى رفعة .
934 - بكتمر البوبكريّ [ - 728 ] « 1 »
[ 285 أ ] بكتمر البوبكريّ ، الأمير سيف الدين ، السلاح دار ، أحد المماليك المنصوريّة قلاوون .
ربّاه صغيرا ورقّاه في الخدم وعمله من جملة البرجيّة . فلمّا قبض [ 255 ب ] الأمير سنقر الطويل عرض جماعة من البرجيّة واختار منهم أربعة :
بكتمر هذا ، وأيدمر الخطيريّ ، وسنجر الجمقدار ، وطاشتمر الجمقدار . ثم عيّن من الأربعة بكتمر وأنعم عليه بإمرة سنقر الطويل وهي طبلخاناه .
فقال له الأمير بيدرا النائب : يا خوند ، أوّل إمرة الجندي تكون عشرة ثم ينقل منها إلى الطبلخاناه .
فقال : قد قلت شيئا وما أرجع عنه - وكان البكوبكري أوّل من نقل من الجنديّة إلى إمرة طبلخاناه ، وذلك في نصف ذي القعدة سنة تسع وثمانين وستّمائة .
وتقدّم حتى صار من أكابر الأمراء الناصريّة محمد بن قلاوون ، وجعله أمير سلاح ويجلس رأس الميسرة ، والأمير آقوش نائب الكرك رأس
هامش
( 1 ) الدرر 2 / 15 ( 1304 ) ؛ النجوم 9 / 274 ؛ السلوك 2 / 208 ، 304 ؛ أعيان العصر 1 / 701 ( 403 ) .