تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
نيّتك لأمير المؤمنين ، وترجع إلى عملك وما كنّا عليه من إكرامك وموالاتك . وإن تأخّرت عن هذا فلا لوم علينا فيما آتيناه إليك ممّا لا أؤثره واللّه فيك . قال نسيم : ففتحت باب الحجرة التي كان بها فوجدته قائما يصلّي . فقلت وصحت : رسول الأمير ! - لأنّه كان ثقيل السمع - فو اللّه ما تجوّز في صلاته ولم يزل يقرأ ، ثمّ ركع وسجد ورفع رأسه وقام ، فقرأ صدرا كبيرا ، ثمّ ركع وسجد وجلس . فلمّا سلّم [ 280 ب ] قلت : الأمير ! فقال لي : وما يريد الأمير ؟ فلمّا قصصت عليه الرسالة قال لي : قل له : أعزز عليّ بأن يكون حرصك على ما تفارقه أكثر من ميلك إلى ما لا تنفكّ عنه . وقد أعنتني لأنّك تكلّفني التصديق لبلاغات لا يعتدّ بها الحكّام . فخف اللّه في أمري ، فإنّي شيخ فان وأنت مريض مدنف ، ولعلّ التقاءنا بين يدي اللّه عزّ وجلّ قريب . وقد واللّه نصحت لك ، والسلام . ( قال ) : فخرجت من عنده ، فقال : ما قال لك ؟ فقصصت عليه قوله . فقال : شيخ فان وعليل [ 253 أ ] مدنف ، ولعلّ الالتقاء بين يدي اللّه قريب - وأقبل يكرّرها . وقال لي : انظر إلى أعفّ المضمونين إليك وأكتر دارا ووكّله ببابها ، وأطلق له ابني أخيه ومن أحبّ إليه . فاكتريت دارا في قمّاحي الموقف ، وكان الموكّل به رشيق أخو سعد الفرغانيّ . ومات بعد أحمد بن طولون بأقلّ من عشرين يوما .

[ سبب القطيعة بينهما ] :

وكان سبب ذلك كلّه « 1 » أنّ أمير المؤمنين المعتمد على اللّه أبا العبّاس أحمد بن المتوكّل كانت أيّامه مضطربة الأحوال مختلفة التدبير كثيرة العزل والتولية بتدبير الموالي وغلبتهم عليه . فقام أخوه الموفّق باللّه أبو أحمد طلحة ، الملقّب بالموفّق باللّه ، والناصر ، والمنصور ، بالخلافة أحسن قيام وصار الحكم إليه ولا تجبى الأموال كلّها إلّا له . وولّاه المعتمد العهد بعده وخطب له بذلك على المنابر فكان يقال : اللّهمّ أصلح الأمير الناصر لدين اللّه أبا أحمد الموفّق باللّه وليّ عهد المسلمين أخا أمير المؤمنين . ولم يبق للمعتمد معه من الخلافة إلّا الاسم بحيث لم ينفذ له توقيع في كبير ولا حقير . فضجر من ذلك وكتب إلى أحمد بن طولون سرّا يشكو من أخيه الموفّق ، فأشار عليه أن يلحق بمصر ووعده بالنصرة له ، وأخرج من مصر والشام عسكرا إلى الرقّة ينتظرون وصول المعتمد إليهم ، وخرج بنفسه من مصر يريد لقاء المعتمد وأقام بدمشق مترقّبا له . فاغتنم المعتمد غيبة الموفّق عنه ، وسار في جمادى الأولى سنة تسع وستّين ومائتين ومعه جماعة من القوّاد ، منهم إبراهيم بن المدبّر ، وأحمد بن خاقان وخطارمش ، وغيرهم ، في أربعة آلاف فارس على خيل جريدة يريد مصر ، في هيئة متصيّد ، إلى أن وصل إلى عمل إسحاق بن كنداجق « 2 » عامل الموصل وعامّة الجزيرة . فكتب الموفّق وهو بالبصرة على حرب صاحب الزنج ، كتب إلى إسحاق يخبره أنّ المعتمد قصد أحمد بن طولون ، وإن دخل مصر تنحّيت عن العلويّ حتى يغلب على [ 281 أ ] دار السلطان . وإن استولى أحمد بن طولون على أمره لم يبق منكم معشر الموالي اثنان - وناشده اللّه لما جرّد العناية في خروجه .
هامش
( 1 ) انظر في سبب القطيعة : رفع الإصر 1 / 151 ؛ والطبريّ 9 / 620 . ( 2 ) إسحاق بن كنداج أيضا ، وكنداجيق .
المقفى الكبير — صفحة 257 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي