فقام إسحاق ، ووكّل بالطرق أصحابه ومنعهم أن يطلقوا « 1 » لأحد ممّن مع المعتمد العبور . وسار فوجد المعتمد بين الموصل والحديثة ، فضرب مضربه دونه وركب حتى وافى مضرب المعتمد من غير أن يشعر به أحد من أصحابه . فخرج إليه نحرير الخادم وسلّم عليه واستأذن له . فدخل على المعتمد ومعه ابنه محمد بن إسحاق وجماعة من وجوه أصحابه ، فسلّم ووقف بأصحابه . فقال له المعتمد : يا إسحاق ، لم منعت الحشم من الدخول إلى الموصل ؟
فقال : وما معنى دخول الحشم الموصل ؟
قال : لأنّي آثرت دخولها .
قال : لا واللّه ، يا أمير المؤمنين ، ما إلى ذلك من سبيل . أخوك في وجه العدوّ وأنت « 2 » تخرج من دار مستقرّك ومدينة آبائك ، ولئن صحّ هذا عنده ليرجعنّ عن مقاومة الخارجيّ حتى يغلب العدوّ على دار ملكك . وهذا كتاب أخيك .
فقال له : أنت غلامي أم غلام أخي ؟ « 3 » .
قال : كلّنا غلمانك يا أمير المؤمنين ، ما أطعت اللّه . فإذا عصيته فلا طاعة لك علينا .
قال : فما عصيته ؟
قال إسحاق : تخلّي دار خلافة آبائك وتزيل أخاك عن عدوّ دولتك وتبعد عن مستقرّك ، ولا ترى أنّك عاص لربّك ؟
ثمّ خرج من المضرب وترك أصحابه الذين دخلوا معه ، ووقف على باب المضرب ، وبعث نحريرا إلى المعتمد يسأله أن يبعث إليه خطارمش . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونيزك « 4 » حتى يناظرهم . فبعث بهم إليه مع أخيه عيسى بن المتوكّل وإبراهيم بن المدبّر . فلمّا دخلوا مضرب إسحاق قال لهم : ما جنى على الإسلام أحد [ 281 ب ] جنايتكم : أخرجتم الخليفة في عدّة يسيرة ، وهارون الشاري « 5 » في جمع كبير بإزائكم ، فلو عارضكم وأسر الخليفة لكنّا فضيحة . ولولا أنّي لحقتكم في عسكري [ 253 ب ] لذهب الخليفة وذهبتم .
ثمّ وكّل بهم وبعث إلى مضاربهم ، فعاد دوابّهم وغلمانهم . فلمّا دجا اليل وجّه إسحاق ابنه محمد بن إسحاق ، وحبشيّ [ ا ] ووصيف [ ا ] ابني أخيه ، ومعهم ثلاثون رجلا يحفظون المعتمد .
وأصبح عند المعتمد وقال له : يا أمير المؤمنين ، ما مقامنا هاهنا ، والأمر مضطرب بناحية أخيك ؟
فقال له : احلف لي أنّك تنحدر معي ولا تسلمني .
فحلف له وانحدر به إلى سرّ من رأى . فتلقّاه أبو العبّاس أحمد بن الموفّق وصاعد بن مخلد كاتب الموفّق ، فسلّم إسحاق المعتمد إلى صاعد .
فأنزله في دار ووكّل به قائدا في خمسمائة رجل يمنعون من الدخول إليه .
[ امتناع بكّار من خلع الموفّق ] :
فورد رسول أحمد بن طولون إليه وهو بدمشق وأخبره ما فعل بالمعتمد . فكتب إلى أعماله بحمل القضاة والفقهاء ، فلمّا اجتمعوا عنده بدمشق استفتاهم في خلع الموفّق . فأفتاه من حضره بأن يخلعه إلّا بكّارا فإنّه ضعّف الأمر ، فتغافل عنه أحمد بن طولون . وكتب كتاب خلع طويل [ ا ]
هامش
( 1 ) في المخطوط : أن لا يطلقوا . . .
( 2 ) في المخطوط : ولست تخرج .
( 3 ) في المخطوط : أو .
( 4 ) في المخطوط : تيتك ، وكذلك الطبري 9 / 620 ، والإصلاح من الكامل 6 / 49 .
( 5 ) هارون الوازقي ( الطبري 10 / 37 ) .