ففطن عبد اللّه بن عمرو وقال : أشعب ، تخدع خالي ؟ اصدقني خبرك !
( قال ) قلت : بالأمان ؟
قال : بالأمان .
فحدّثته حديثي ، فضحك ضحكا شديدا .
[ في بلاط الوليد بن يزيد ] :
وقال أشعب : دعا الوليد بن يزيد المغنّين ، وكنت نازلا معهم ، فقلت للرسول : خذني فيهم .
قال : لم أؤمر بذلك ، إنّما أمرت بإحضار المغنّين ، وأنت بطّال « 1 » ، لا تدخل في جملتهم .
فقلت له : لا خوف عليك ، ولك مع هذا شرط .
قال : ما هو ؟
قلت : كلّ ما أصيبه فلك شطره .
فقال للجماعة : اشهدوا لي عليه !
فشهدوا . ومضينا ، فدخلنا على الوليد وهو لقس النفس « 2 » ، فغنّاه المغنّون في كلّ فنّ من ثقيل وخفيف فلم يتحرّك ولا نشط . فقام الأبجر « 3 » إلى الخلاء ، وكان خبيثا داهيا فسأل الخادم عن خبره وبأيّ سبب هو خاثر النفس .
فقال : بينه وبين امرأته شرّ لأنّه عشق أختها ، فغضبت عليه ، وهو إلى أختها أميل ، وقد عزم على طلاقها وحلف لها ألّا يذكرها أبدا برسالة ولا مخاطبة ، وخرج على هذه الحال من عندها . فعاد الأبجر وجلس . فما استقرّ به مجلسه حتّى اندفع يغنّي [ الطويل ] « 4 » :
فبيني فإنّي لا أبالي وأيقني * أصعّد باقي حبّكم أم تصوّبا
ألم تعلمي أنّي عزوف عن الهوى * إذا صاحبي من غير شيء تغضّبا ؟
فطرب الوليد وارتاح وقال : أصبت يا عبيد واللّه ما في نفسي - وأمر له بعشرة آلاف درهم - ، وشرب حتى سكر . ولم يحظ أحد سوى الأبجر بشيء . فلمّا أيقنت بانقضاء المجلس وثبت فقلت :
إن رأيت يا أمير المؤمنين أن تأمر من يضربني مائة الساعة بحضرتك .
فضحك ثم قال : قبّحك اللّه ! وما السبب في ذلك ؟
فأخبرته بقصّتي مع الرسول وقلت له : إنّه بدأني من المكروه في أوّل يومه بما اتّصل عليّ إلى آخره ، فأريد أن أضرب مائة سوط ويضرب بعدي مثلها .
فقال : لقد لطفت ! بل أعطوه مائة دينار ، وأعطوا الرسول خمسين دينارا عوضا عن الخمسين التي أراد أن يأخذها من أشعب .
فقبضتها ، وما حظي أحد بشيء غيري وغير الأبجر .
* * * وقال ابن أبي عتيق : دخلت على أشعب ، وعنده متاع حسن وأثاث وآلات . فقلت له :
ويحك ، أما تستحي أن تسأل الناس ، وعندك ما أرى ؟
فقال : يا فديتك ، معي واللّه من لطيف السؤال ما لا تطيب نفسي بتركه .
وقال أشعب : كنت أنا وأبو الزناد « 5 » تربين
هامش
( 1 ) بطّال هنا بمعنى : مهرّج ، مضحّك ، بهلوانيّ .
( 2 ) لقس : ضيّق النفس .
( 3 ) الأبجر : عبيد اللّه بن القاسم : الأغاني 3 / 340 .
( 4 ) الشعر لعبد الرحمن بن الحكم أخي مروان .
( 5 ) أبو الزناد مولى عثمان ؛ المعارف 202 .