تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
ففطن عبد اللّه بن عمرو وقال : أشعب ، تخدع خالي ؟ اصدقني خبرك ! ( قال ) قلت : بالأمان ؟ قال : بالأمان . فحدّثته حديثي ، فضحك ضحكا شديدا .

[ في بلاط الوليد بن يزيد ] :

وقال أشعب : دعا الوليد بن يزيد المغنّين ، وكنت نازلا معهم ، فقلت للرسول : خذني فيهم . قال : لم أؤمر بذلك ، إنّما أمرت بإحضار المغنّين ، وأنت بطّال « 1 » ، لا تدخل في جملتهم . فقلت له : لا خوف عليك ، ولك مع هذا شرط . قال : ما هو ؟ قلت : كلّ ما أصيبه فلك شطره . فقال للجماعة : اشهدوا لي عليه ! فشهدوا . ومضينا ، فدخلنا على الوليد وهو لقس النفس « 2 » ، فغنّاه المغنّون في كلّ فنّ من ثقيل وخفيف فلم يتحرّك ولا نشط . فقام الأبجر « 3 » إلى الخلاء ، وكان خبيثا داهيا فسأل الخادم عن خبره وبأيّ سبب هو خاثر النفس . فقال : بينه وبين امرأته شرّ لأنّه عشق أختها ، فغضبت عليه ، وهو إلى أختها أميل ، وقد عزم على طلاقها وحلف لها ألّا يذكرها أبدا برسالة ولا مخاطبة ، وخرج على هذه الحال من عندها . فعاد الأبجر وجلس . فما استقرّ به مجلسه حتّى اندفع يغنّي [ الطويل ] « 4 » :
فبيني فإنّي لا أبالي وأيقني * أصعّد باقي حبّكم أم تصوّبا ألم تعلمي أنّي عزوف عن الهوى * إذا صاحبي من غير شيء تغضّبا ؟
فطرب الوليد وارتاح وقال : أصبت يا عبيد واللّه ما في نفسي - وأمر له بعشرة آلاف درهم - ، وشرب حتى سكر . ولم يحظ أحد سوى الأبجر بشيء . فلمّا أيقنت بانقضاء المجلس وثبت فقلت : إن رأيت يا أمير المؤمنين أن تأمر من يضربني مائة الساعة بحضرتك . فضحك ثم قال : قبّحك اللّه ! وما السبب في ذلك ؟ فأخبرته بقصّتي مع الرسول وقلت له : إنّه بدأني من المكروه في أوّل يومه بما اتّصل عليّ إلى آخره ، فأريد أن أضرب مائة سوط ويضرب بعدي مثلها . فقال : لقد لطفت ! بل أعطوه مائة دينار ، وأعطوا الرسول خمسين دينارا عوضا عن الخمسين التي أراد أن يأخذها من أشعب . فقبضتها ، وما حظي أحد بشيء غيري وغير الأبجر . * * * وقال ابن أبي عتيق : دخلت على أشعب ، وعنده متاع حسن وأثاث وآلات . فقلت له : ويحك ، أما تستحي أن تسأل الناس ، وعندك ما أرى ؟ فقال : يا فديتك ، معي واللّه من لطيف السؤال ما لا تطيب نفسي بتركه . وقال أشعب : كنت أنا وأبو الزناد « 5 » تربين
هامش
( 1 ) بطّال هنا بمعنى : مهرّج ، مضحّك ، بهلوانيّ . ( 2 ) لقس : ضيّق النفس . ( 3 ) الأبجر : عبيد اللّه بن القاسم : الأغاني 3 / 340 . ( 4 ) الشعر لعبد الرحمن بن الحكم أخي مروان . ( 5 ) أبو الزناد مولى عثمان ؛ المعارف 202 .