تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣

[ استمرار الشغب بين أهل دمشق والمغاربة ] :

واتّفق أنّ بعض المغاربة في هذا اليوم جرى بينه وبين بعض أهل الشرّ من الدمشقيّين نزاع في صبيّ أراد المغربيّ أن يغلب عليه ، فرفع الدمشقيّ السيف وقتل المغربيّ في السوق . فاضطرب البلد وغلّقت الأسواق وثار العسكر ، فسدّ أهل البلد باب الصغير ، واشتدّ حنق أبي محمود ، وفرّق السلاح على أصحابه في الليل ، وأصبح العسكر يريد باب الصغير ، فصاح النفير في البلد وكبّر الناس على الأسطحة ، فطرح العسكر النار في الدور التي خارج المدينة . وخرج ابن الماورد في جماعته ومعه سوقة ونظارة أكثرهم بمقاليع ، ودار المستنفرون في أزقّة المدينة ينفّرون الناس للقتال ، فأقبلوا أفواجا إلى باب الصغير ، والقتال قد حمي بين الفريقين . ونزل أبو محمود في محراب المصلّى واضطجع لوجع كان به في باطنه وهو يتأوّه ، فكانت في هذا اليوم عدّة وقائع آلت إلى انهزام أهل البلد . وطمع المغاربة في أخذها ، فضجّ الناس بالنفير من الأسطحة والمآذن ، وعلا صياح الرجال والنساء والصبيان ، وكثر الحريق ، واشتدّ الرمي على المغاربة من فوق الدروب بالنشّاب والحجارة . فردّوا عن دخول البلد . وخرج مشايخ البلد من باب الجابية [ 26 ب ] وفيهم ابن أبي هشام وأبو القاسم أحمد بن الحسين العقيقيّ العلويّ « 1 » - وكان أبو محمود يجلّه ويعظّمه - فتوجّهوا إلى أبي محمود وقالوا له : « اللّه ! اللّه ، أيّها القائد في الحرم والأطفال ! » وما زالوا به حتى ردّ العسكر عن المدينة بعد ما أشرفوا على أخذها . وصرف العقيقيّ من كان من الرعيّة يريد أن يقاتل ، وسار أبو محمود بعسكره إلى حيث كان ينزل ، وذلك في آخر ذي الحجّة [ سنة 363 ] فصلح الأمر وسكن الشرّ . وخرج الناس إلى أبي محمود ودخل أصحاب الشرطة المدينة ، إلّا أنّه كان قد فرّ من الغوطة خلق كثير إلى المدينة ، وفيهم طائفة دعّار وطمّاع صاروا مع أهل الشرّ من أهل المدينة ، وفيهم طائفة يقال لها « الهياجنة » « 2 » من قرى المرج لا يعرفون سوى الفساد . فصار هؤلاء يأكلون أهل السلامة والمستضعفين والذمّة ويجبون مستغلّات الأسواق ويكبسون المواضع فينهبون ما فيها . فأكلوا بذلك ولبسوا وحسنت أحوالهم ، وصاروا يكرهون أن يتمكّن السلطان لئلّا يزول ما هم فيه . فهلك كثير من الناس بين العسكر وبين أهل الشرّ . فلمّا كان في بعض الليالي مرّ صاحب الشرطة على عادته فإذا بصبيّ صبّاغ معه سيف فأخذه وقتله ، فخشي أهل الشرّ أن تمتدّ يد السلطان فيهم فيفنيهم . فثاروا عند الصباح بصاحب الشرطة ، ففرّ بمن معه إلى أبي محمود وأقبلت الهياجنة إلى الخضراء ، وجمعوا البواريّ والقصب وقالوا : « هذه البواريّ « 3 » والقصب أراد المغاربة أن يجعلوها في بطائن الجامع ليحرقوه » . وقال أهل الشرّ لجهّال العامّة : « اصعدوا المآذن ونادوا النفير إلى الجامع ! » . ففعلوا ذلك وثار الناس بالسلاح إلى الجامع ، فلم يروا غير بواريّ وقصب مطروحة في الخضراء . وركب العسكر وطرحوا النار في كلّ موضع بقي فيه عمارة واقتتلوا على الأبواب ، فكان يوما عظيما شرّه من شدّة القتال وقوّة الحريق . فاشتدّ الخوف على البلد ، وعلا الضجيج إلى أن أظلم الليل ، وذلك يوم الخميس لثلاث خلون من
هامش
( 1 ) قد ذكر هذان الوسيطان في ترجمة جعفر بن فلاح 3 / 50 ( 1078 ) وذكر ابن القلانسي العقيقي فقط ( ص 9 ) . ( 2 ) الهياجنة : لعله أراد بها فرقة الهجّانة فجمعها على هياجنة . ( 3 ) الباريّة والبارياء : الحصير المنسوج ( اللسان : بري ) وهو من قصب عادة .
المقفى الكبير — صفحة 83 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي