تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
فنزل أبو محمود أذرعات . وسار ظالم بن مرهوب من بعلبك بمكاتبة المعزّ له إلى دمشق . فلمّا نزل عقبة دمر خرج أبو المنجّى إلى الميدان ليقاتله ، وهو في ألفي رجل . فبعث إليه ظالم يخادعه ويقول : « إنّما جئت مستأمنا إليكم » . فسار عدّة من جند أبي المنجّى إلى ظالم فقوي بهم ، وأقبل إلى أبي المنجّى وأحاط به فلم يمكنه الهرب . فأخذه وابنه ، وصار عسكره كلّه مع ظالم ، فملك دمشق يوم السبت لعشر خلون من شهر رمضان ، وقبض على جماعة من أصحاب أبي المنجّى وأخذ أموالهم . وطلب أبا بكر محمد بن أحمد بن سهل النابلسيّ « 1 » حتى ظفر به . ونزل أبو محمود على دمشق يوم الثلاثاء لثمان بقين منه فأنس به ظالم وأكرمه وخرج إليه وأسلمه أبا المنجّى وابنه وابن النابلسيّ ، فعملهم أبو محمود في أقفاص من خشب وجهّزهم إلى القاهرة . وامتدّت أيدي أصحاب أبي محمود يأخذون من يلقونه في الطريق وينهبون القرى ويأخذون القوافل ، ولا يقدر أبو محمود على ردّهم . وصار ظالم في المدينة يأخذ أموال السلطان ولا يدفع لأبي محمود شيئا ويرى أنّه صاحب البلد . هذا ، وقد كثر في البلد حمّال السّلاح من الغوغاء ، وقتلوا أصحاب المشايخ ، فامتنع الناس من الذهاب والمجيء ، وفرّ أهل القرى إلى المدينة وخلت ظواهر دمشق . فلمّا كان يوم الخميس النصف من شوّال نزل أصحاب أبي محمود لنهب القصّارين عند الميدان ، فوقع الصارخ في المدينة وخرج الناس بالسلاح ، وفيهم أصحاب ظالم فاقتتلوا ثمّ افترقوا . وكثر بعد ذلك حمل السلاح في البلد .

[ انتقاض أهل دمشق عليه ] :

وقدمت قافلة من حوران على طريق الحرجلّة « 2 » فأخذها أصحاب أبي محمود وقتلوا ثلاثة ممّن كان فيها ، فحملهم أصحابهم وطرحوهم بالجامع داخل المدينة ، فاجتمع عليهم الناس وغلّقت الحوانيت وخلت الأسواق . واجتمع العالم وضرب أصحاب أبي محمود قرية حجيرا « 3 » فدخل أهلها الجامع وهم يصيحون . واستمرّ الخوف إلى يوم الاثنين سابع عشر ذي القعدة فوقع الصوت في البلد : النفير ! فلبس الناس السلاح وخرج أصحاب ظالم معهم ، فقاتلوا أصحاب أبي محمود يومهم إلى الليل ، ثمّ أصبحوا يوم الثلاثاء فاقتتلوا إلى الليل ، وأصبحوا يوم الأربعاء فاقتتلوا إلى العصر ، ووقع الحريق فانهزم أهل البلد وقتل منهم كثير . فخرج ظالم من دار الإمارة ، ولم يكن خرج في هذه الحروب ، وإنّما يبعث أصحابه ويظهر أنّه إنّما يريد الدفع عن البلد ولا يحبّ القتال ولا الخلاف ، وهو مداهن في ذلك . فلمّا رأى أهل دمشق منهزمين والمغاربة خلفهم ، وقد ازدحم أصحابه في الجسر « 4 » حمل ، ومعه طائفة ، على أوائل المغاربة حتى ردعهم عن الرعيّة . ثمّ تكاثر المغاربة عليه فعبر الجسر ، وأخذ المنهزمون نحو البيوت فأدركهم المغاربة وقتلوا منهم كثيرا . فضجّ الناس بالنفير من المآذن والأسطحة ، وكثر الرمي بالنشّاب من الأسطحة ، فأحرق المغاربة الفراديس « 5 » ، وكان بناء حسنا
هامش
( 1 ) خصّص المقريزي ترجمة لهذا الزاهد في المقفى ، انظر رقم 1727 . ( 2 ) الحرجلّة : من قرى دمشق ( ياقوت ) . ( 3 ) حجير في المخطوط . وقال ياقوت : حجيرا قرية في غوطة دمشق . ( 4 ) عند ابن الفلانسي 6 : الجسر المعقود على بردى . ( 5 ) الفراديس أجنّة ملاصقة لباب الفراديس من دمشق « وهو أحسن مكان بظاهر دمشق » حسب قول ابن القلانسي 6 ، -