تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
فشعّت النار وأتلفت شيئا كثيرا ، وانهزم ظالم وسار إلى بعلبك . وجنّ الليل ، وبات الناس خامدين فزعين لما يأتيهم من الغد ، وتمكّنت النار تلك الليلة وأحرقت ما شاء اللّه ، وتصاعد لها ألسنة وشرار عظيم وصارت كأنّها فرس يجري . وأصبح الصبح وقد احترق قصر عاتكة وقصر حجّاج « 1 » وما هنالك فلم يبق له أثر . هذا والناس طول ليلهم [ 26 أ ] يعارضون الخشب في الأسواق ويضيّقون الدروب ويحفرون الخنادق في الطرق خوفا من دخول الخيل والرجّالة إلى المدينة ، وعملوا على أنّهم يقاتلون على أبواب البلد وبات المغاربة فرحين بأخذ البلد . فلمّا أصبحوا أقبلوا إلى المدينة فخارت قوى كثير من الناس لما داخلهم من الفزع ، وتحيّروا . فعند ما أقبل المغاربة وقع النداء بالنفير ، وخرج أهل دمشق فاقتتل الفريقان مليّا . ثمّ إنّ مشايخ البلد ساروا إلى أبي محمود وهو نازل بالميدان يسألونه الرفق ، وقد تبعهم خلق كثير . فلمّا دخلوا عليه لطفوا به وداروه وضرعوا إليه ، فقال : ما نزلت لقتالكم ، وإنّما نزلت لأردّ هؤلاء الكلاب عنكم - يعني أصحابه - وما أنا ممّن يقاتل رعيّة . فاستبشر الناس واختلطوا بأصحابه وانتشر قوله في البلد فزال الخوف ، ودخل المغاربة إلى المدينة في ما يحتاجون إليه ، وولّى أبو محمود الشرطة لرجل يقال له حمزة من المغاربة ولابن كشمرد « 2 » من الإخشيديّة فدخلا البلد في جمع عظيم وطافا بالمزاهر والزّمر « 3 » وجلسا في الشرطة ، وصارت رجالهما تطوف المدينة في الليل في عدّة وافرة . هذا وحمّال السلاح ممّن يطلب الفتنة لم يكفّوا فكان الطّوف « 4 » يجد دروبا قد ضيّقت لا يمكنه أن يدخل فيها . فشكا صاحب الشرطة ذلك إلى أبي محمود وقال : إنّ القوم على ما كانوا عليه من العصيان ، وأشدّهم قوم في باب الصغير « 5 » . فقال بعض من حضر عند أبي محمود من أهل دمشق : إنّما كان الأمر والنهي للرعيّة - وأهل هذا البلد قد غلبوا عليه . وكثر الكلام في هذا فعظم ذلك على أبي محمود واضطرب . فلمّا حضر مشايخ البلد اشتدّ عليهم وهدّدهم وقال : « أنتم مقيمون على العصيان » ، فاعتذروا بأنّ سدّ باب الصغير وغيره إنّما كان خشية من أن يدخل منه من لا يعلم به القائد من أصحابه ممّن يطلب الفتن فتثور جهّال الناس . فأقسم أبو محمود لئن لم يفتح هذا الباب ليركبنّ إليه وليحرقنّه وليقتلنّ من فيه . فقال الشيوخ : نعم ، نفعل ما يقول القائد . وأجّلهم ثلاثا فخرجوا من عنده حائرين لا يدرون كيف يسوسون جهّال الناس ، ولا ما يعملون في أمر السلطان . وأتوا إلى باب الصغير وقد اجتمع أهل الشرّ ، فيهم ابن الماورد « 6 » ، رأس الشطّار ، فبلّغهم الشيوخ ما قال أبو محمود فك [ ث ] ر اختلافهم . ثمّ إنّهم فتحوا الباب من وقتهم .
هامش
- وقد أطنب في وصف الحريق وتعداد الأماكن المحترقة . ( 1 ) عرّف ياقوت قصر حجّاج فقال : محلّة كبيرة في ظاهر باب الجابية ، ولم يعرّف قصر عاتكة . وانظر تحفة ذوي الألباب للصفدي ج 1 / 246 . ( 2 ) حمزة المغربيّ وابن كشمرد الإخشيدي : هكذا ذكرهما ابن القلانسي أيضا ص 7 . ( 3 ) عند ابن القلانسي : بالملاهي والزّفن ، وهو الرقص . ( 4 ) الطّوف : العسس . ( 5 ) باب الصغير أحد أبواب دمشق . ( 6 ) ابن المارود عند ابن القلانسيّ ، والشطار هم عنده الأحداث ، أي الغوغاء والرعاع ( وانظر دوزي في المادّة ) .