تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
ويخوّف عاقبته وأنّه اختزل مالا . فلم يحتمل هذا ابن [ 2 ب ] طولون فكتب إلى سعيد الفرغانيّ وهو بالشام أن يشخص إليه ابن المدبّر فأحضره إليه بمصر وحبسه في حجرة بداره مكرما في سنة خمس وستّين ومائتين . ولم يكن عند ابن المدبّر علم بما بلغ ابن طولون من الوزير الحسن بن مخلد . فكتب إلى ابن طولون رقعة فيها هذه الأبيات [ الطويل ] :
رأيت قبيل الصبح في النّوم أنّنا * [ قعود ] على سطح منيف بنا السطح « 1 » إذا فارس يهوي إلى السطح معلنا * أخو شكّة يزهى به السيف والرّمح فلوّح بالبشرى إليك مبادرا * بنصر وتمكين أجدّهما النّصح وغادر بالتكبير في الدار غدوة * بعقب كتاب الفتح إذ قرئ الفتح 5 - فلم أر حلما مثله جاء وافدا * على سرعة ما كان يسبقه النجح فقل لي فدتك النفس من كلّ حادث * وإن كان بالنفس الضنانة والشحّ إلى كم يكون العتب في غير معتب * بتمويه شأن شانه القذف والقدح يصرّح بالبهتان تصريح مازح * ويا ربّ حتف قاده الهزل والمزح أما خلّة ترعى ولا طول عشرة * ولا حرمة الندمان ترعى ولا الملح 10 - تبيّن ! فإنّ الحقّ يجلو دجى العمى * وإن كنت في شكّ فقد بيّن الصبح وما لي ذنب غير أنّي محسّد * وفي زمن يكدى الأمانة والنصح
فإن كان لي ذنب فحلمك واسع * وحكم الكتاب الكظم والعفو والصفح فقد نالني بالأمس ما قد سمعته * فأجمل فإنّ القرح ينكره القرح وما كنت ذا شعر ولكن جراحة * من الغمّ في صدري وقد ينفث الجرح
فلمّا قرأ ابن طولون هذه الأبيات أحضر ابن المدبّر وقال له : تف [ كّك ] ك وتفكّهك يدلّان على أنّك ما علمت علمي « 2 » بما قصدتني به مرّة بعد أخرى ولا بما كاتبت به السلطان في أمرى وجرأتك على سوء عادتك وقبح كبرك وجرأتك على ربّك بالأيمان الكاذبة . فهبك تتوهّم أنّك تجوز عليّ ، أتجوز على عالم الغيب والشهادة ؟ واللّه لقد أردت قتلك لولا اليمين التي حلفت بها لك ، لما صحّ عندي في سعيك فيّ وطلبك أذيّتي وقصدك مكروهي وحيلتك في سفك دمي . فأنكر ابن المدبّر ما رمي به . فقال له ابن طولون : ويلك ، تنكر وهذه كتبك بخطّك عندي ؟ . ثمّ أحضر الكتب وألقاها إليه وقال : ويحك ، هذه كتب من يؤمن باللّه [ 3 أ ] واليوم الآخر ويخاف عقوبة اللّه الذي خافه من أساء وبغى ؟ واللّه لولا ما في قلبي من يميني لضربتك بالسياط حتى تموت ! . ثمّ أمر به فأخرج من بين يديه سحبا . وكتب إليه أحمد بن محمد الواسطيّ « 3 » الكاتب جواب أبياته [ الطويل ] :
أأحمد كان السطح حين رأيته * منيفا فلو عاينته خسف السطح متى كنت في الأحلام للّه صادقا * فتصدق رؤياك إذا وضح الصبح
هامش
( 1 ) أضفنا قعود للوزن . ( 2 ) في المخطوط : علمي بعلمي بما . . . ( 3 ) تأتي ترجمة الواسطيّ برقم 694 / 29 .
المقفى الكبير — صفحة 516 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي