تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 515

مساهمون:

ص٥١٥
الغور « 1 » قد انتخبهم وجعلهم عدّة وجمالا ، وكان لهم خلق حسن وطول أجسام وبأس شديد ، وعليهم الخفاتين والأقبية والمناطق الثقال العراض ، وبأيديهم مقارع غلاظ بأطرافها أقماع من فضّة . فكان إذا جلس قاموا بحافّتي مجلسه عن يمينه ويساره ، وإذا ركب صاروا ركبانا قدّامه . فكان له بهم هيبة عظيمة في صدور الناس . فأخذهم منه أحمد بن طولون بعد ما دخل مصر . وردّ على ابن المدبّر هديّة أهداها إليه قيمتها عشرة آلاف دينار وطلب الغلمان المذكورين فلم يجد ابن المدبّر بدّا من إرسالهم . وثقل عليه أمر ابن طولون لتحوّل هيبته التي كانت له بغلمانه إلى ابن طولون وقال : هذه همّة عظيمة ، من كانت هذه همّته لا يؤمن على طرف من الأطراف . وكان فيه مع دهائه رديّ « 2 » عظيم فحدّث شقير [ 2 أ ] الخادم صاحب البريد في أمر ابن طولون وخوّفه منه ولم يزل به حتّى كتبا إلى بغداد بأنّه يردّ الأعراض والأموال ويستهدي الرجال ، وخوّفا عاقبته . فبلغ ذلك ابن طولون فكتمه في نفسه . وصار أمر ابن طولون يقوى بمصر ، فزاد قلق ابن المدبّر وقادته الضرورة إلى ملاطفته خوفا منه . وكتب إلى الحضرة ببغداد هو وشقير بأنّ ابن طولون قد اجتمع له أكثر ممّا كان تجمّع لأحمد بن عيسى بن شيخ « 3 » ، والخوف منه أكثر إذ كان فيه من الفضل ما ليس في أحمد بن شيخ . فكتب [ الخليفة ] إلى ابن طولون بالشخوص إلى بغداد ليردّ إليه أمر الدّار بالحضرة وتدبير المملكة ، ففطن أنّها حيلة . وما زال حتى قدم إليه كتاب الحسن بن مخلد الوزير « 4 » وكتاب يارجوخ بتثبيت ما في يده من عمله . وأطلق له حرمه وولده حتى قدموا عليه من بغداد إلى مصر . وتلطّف حتى أرسل إليه الوزير كتاب شقير صاحب البريد وكتب ابن المدبّر ، وفيها أنّ أحمد بن طولون على التغلّب على مصر والعصيان بها . فلم يزل ابن طولون حتى أهلك شقير الخادم وكتب في استقرار ابن هلال في الخراج موضع ابن المدبّر ، فأجيب إلى ذلك ، وقبض على ابن المدبّر وحبسه بحال سيّئة في داره . ثم ورد الخبر بردّ الخراج إلى ابن المدبّر فأطلقه وتسلّم الخراج فلم يأمن غوائل ابن طولون فكتب إلي أخيه إبراهيم بن مدبّر « 5 » فسأله في التلطّف له حتى يخلّص من ابن طولون . فقدم عليه الكتاب بتقليد جندي فلسطين والأردنّ وخراج دمشق ، وأن يكون أبو أيّوب أحمد بن شجاع ابن أخت وزير « 6 » موضعه على خراج مصر وذلك في سنة ثمان وخمسين ومائتين . فسعى عند ابن طولون حتى تخلّص منه بأن وهبه ضياعا كان تملّكها بأرض مصر وزوّج ابنته من أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون ، وخرج من مصر وسار معه أحمد بن طولون لتشييعه . فلمّا قدم الحسن بن مخلد الوزير مصر عندما نفي أكرمه ابن طولون فحدّثه أنّ ابن المدبّر كان يكتب إليه في أمره ، ودفع إليه كتب ابن المدبّر بخطّه فإذا فيها كلّ عظيمة من أنّ ابن طولون قد عزم على أن يقيم خليفة بمصر ، ويصف غدره ومكره ويرميه بقبائح ويشير بعزله عن مصر
هامش
( 1 ) الغور : بين هراة وغزنة . ( 2 ) الرديّ : لعلّها صيغة من الرداء ومن معانيه : الجهل . ( 3 ) أحمد بن عيسى بن شيخ الشيبانيّ كان يتقلّد جندي فلسطين والأردن : الخطط 315 . ( 4 ) الحسن بن مخلد بن الجرّاح : له الترجمة رقم 1216 ( ت 269 ) . ( 5 ) إبراهيم بن المدبّر : الأعلام 1 / 56 ( ت 279 ) . وانظر ترجمته برقم 367 . ( 6 ) أبو أيّوب صاحب الخراج : أحمد بن محمد بن شجاع ، مرّت ترجمته برقم 563 .