تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 513

مساهمون:

ص٥١٣
وكان جميل المعاشرة حلو المحاضرة ، ألف به الفخر ناظر الجيش واستكتبه في باب السلطان . وباشر الإنشاء بصفد وغزّة وقلعة الرّوم . وكانت له مع النوّاب وقائع ويخرج عنهم هاربا ، وكتب بين يدي الصاحب شمس الدّين غبريال « 1 » ، فاتّفق أن هرب مملوك الأمير شهاب الدّين قرطاي فظفر به الصاحب ، وأمره أن يكتب على يده إلى مخدومه كتابا يقول فيه إنّه إنّما هرب خوفا منك « 2 » ، فكتب وعبّر عن المقصود بقوله : إذا خشن المقرّ حسن المفرّ « 3 » فأنكر ذلك الصاحب وقال : ما هذه مليحة . فطار عقل ابن غانم فإنّه ظنّ أنّ ذلك يقع منه موقعا يهشّ له ، وضرب الدواة بالأرض وقال : ما أنا ملزوم بالغلف القلف « 4 » ! وخرج متوجّها إلى اليمن فكتب لصاحبها ، وخرج منها هاربا فقدم صنعاء على الزيديّ ، ثمّ عاد إلى دمشق بعد موت الفخر ناظر الجيش . واختلط قبل موته بسنتين ، ومات عن ستّ وثمانين سنة في [ 96 ب ] شهر رمضان سنة سبع وثلاثين وسبعمائة بدمشق ، وقد فلج وعجز عن الكلام . ومن شعره [ السريع ] :
واللّه ما أدعو على هاجري * إلّا بأن يمحن بالعشق حتى يرى مقدار ما قد جرى * منه وما قد تمّ في حقّي
وقوله [ الكامل ] :
يا نازحا عنّي بغير بعاد * لولاك ما علق الهوى بفؤادي أنت الذي أفردتني منّي فلي * بك شاغل في مقصدي ومرادي سهرت بحبّك مقلتي فحلالها * فيك السهاد فلا وجدت رقادي ورضيت ما ترضى فلو أقصيتني * أيّام عمري ما نقضت ودادي أنت العزيز عليّ إن أشكر لك ال * وجد الذي أهديته لفؤادي
وله نوادر . واتّفق له في خروجه مع العرب من دمشق أنّه نزل على الأمير حسين من خفاجة وأقام عنده بالسماوة يصلّي به ويتكلّم في شيء من العلوم . فظنّ أنّه ابن الخليفة المستعصم « 5 » الذي قتله هولاكو ببغداد ، واشتهر ذلك حتى بلغ السلطان الملك الظاهر بيبرس بمصر ، فاجتهد حتى أقدمه إليه بقلعة الجبل خشية منه وسأله : [ ابن ] من أنت ؟ فقال : ابن شمس الدّين محمد بن غانم . فطلب والده من دمشق إلى القاهرة وأحضره بين يديه واعترف أنّه ولده .
هامش
- نعل خفيف ، والمقفّص : المخطّط . ( 1 ) الصاحب شمس الدّين غبريال ناظر دمشق ثم ناظر الدولة ( ت 734 ) . انظر الخطط 2 / 392 والدرر 2 / 262 ( 2147 ) تحت : عبد اللّه بن صنيعة القبطيّ ، وقال إنّه أسلم سنة 701 وأعيان العصر 2 / 683 ( 872 ) والوافي 17 / 215 ( 204 ) . ( 2 ) تعدّدت الضمائر والتبست فالآمر هو الشمس غبريال والمأمور هو صاحب الترجمة والمخدوم هو الشهاب قرطاي ( الأشرفيّ ت 734 ) - أعيان 4 / 101 - 1370 ) والخادم هو المملوك الآبق . ( 3 ) اقتباس من بيت [ الوافر ] :إذا خشن المقرّ لدى أناس * فقد حسن المفرّ إلى سواهم( 4 ) الأقلف : من لم يختن . والأغلف الذي لا يتكلّم العربيّة ، ولا يفهمها . ( 5 ) المستعصم العبّاسيّ عبد اللّه بن منصور قتل سنة 656 في وقعة بغداد .
المقفى الكبير — صفحة 513 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي