تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 507

مساهمون:

ص٥٠٧
ثمّ تعود فتقول : لا بعد ! لا بعد ! ؟ فقال لي : يا بنيّ ما تدري ؟ فقلت : لا . فقال : إبليس لعنه اللّه قائم حذائي عاضّ على أنامله يقول : يا أحمد ، فتّني وأنا أقول : لا بعد ، حتّى أموت ! . وسئل عبد اللّه : هل عقد أبوك عند الموت المعاينة ؟ « 1 » قال : نعم ، كنّا نوصيه فجعل يشير بيده ، فقال لي صالح : أيّ شيء يقول ؟ فقلت : هو يقول : خلّلوا أصابعي فخلّلنا أصابعه ، ثمّ ترك الإشارة فمات من ساعته تغمّده اللّه برحمته ، وذلك لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل سنة إحدى وأربعين ومائتين وهو ابن سبع وسبعين سنة .

فصل في غسله وتكفينه والصلاة عليه وعدد من أسلم يوم موته

قال ولده صالح : لمّا توفّي أبي كان المتوكّل غائبا فوجّه الأمير ابن طاهر حاجبه ومعه غلامان معهما منديل فيه ثياب وطيب ، وقالوا : الأمير [ 8 ب ] يقرئك السلام ويقول لك : قد فعلت ما لو كان أمير المؤمنين حاضرا لفعله . فقلت له : اقرئه منّي السلام وقل له : إنّ أمير المؤمنين قد كان أعفاه في حياته ممّا كان يكره ، ولا أحبّ أن أتبعه بعد موته بما كان يكرهه في حياته . فعاد وقال : يكون شعاره ولا يكون دثاره . فأعدت عليه مثل ذلك ورددته . وكفّنّاه في ثلاث لفائف . قال المروزيّ : لمّا أردت أن أغسّله جاء بنو هاشم واجتمع في الدار خلق كثير . فأدخلته البيت وغطّيته بثوب وأرخيت الستر حتّى فرغت من أمره . فلمّا أردت تكفينه غلبنا عليه بنو هاشم وأخذوا في البكاء عليه وجعل أولادهم ينكبّون عليه ويقبّلونه . قال صالح : وأرسل إليّ ابن طاهر يقول : من يصلّي عليه ؟ قلت : أنا . فلمّا صرنا إلى الصحراء وجدنا ابن طاهر ، فخطا إلينا خطوات وعزّانا . فلمّا وضع السرير [ جعلت اسوّي الصفوف للصلاة ] « 2 » فجاءني ابن طالوت ومحمد بن نصر وقبضا على يديّ وقالا : الأمير ! فمانعتهم فغلبوا عليّ وصلّى [ محمد بن عبد اللّه بن طاهر ] « 3 » وكثر الناس بتقدّمه فلمّا كان من الغد وعلموا بذلك صاروا يأتون القبر أفواجا فيصلّون عليه ومكثوا [ على ذلك ] أيّاما . قال ولده عبد اللّه : وكنّا نحن والهاشميّون صلّينا عليه داخل الدار . قال الخلّال : سمعت عبد الوهاب الورّاق يقول : ما بلغنا أنّ جمعا كان في الجاهليّة والإسلام مثله ، حتّى إنّ المواضع التي وقف الناس فيها مسحت وحزرت فإذا هي نحو من ألف ألف ، وحزرنا على السور « 4 » نحوا من ستّين ألف امرأة . وقال أبو زرعة : بلغني أنّ المتوكّل أمر أن يمسح الموضع الذي وقف الناس فيه للصلاة على أحمد بن حنبل فبلغ مقام ألف ألف وخمسمائة ألف . وفتح الناس أبواب المنازل في الشوارع والبيوت والدروب وصاروا ينادون : من أراد الوضوء ؟ . وقال أحمد بن الحسن المقانعي : كنت ببغداد وأنا في بستان لصديق لي فإذا بشيخ وشابّ وعليهما طمران ، فسلّمت عليهما وقلت : أراكما
هامش
( 1 ) لم نفهم المعاينة . وقد تعني عقد الأصابع وبسطها إشارة إلى التشهّد بالوحدانيّة . وعند ابن الجوزيّ 408 : هل غفل أبوك عند المعاينة ؟ . ( 2 ) التكملة من أعلام النبلاء 11 / 336 . ( 3 ) هو نائب بغداد والي المدينة وقال محقّقا أعلام النبلاء : الوالي أو نائبه أحقّ بالإمامة من الوليّ . ( 4 ) في النبلاء 11 / 339 : على القبور .
المقفى الكبير — صفحة 507 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي