شيئا من السنّة « 1 » فافرح به . فجعل الرجل يدعو له فيقول أبي : ولجميع المسلمين . ثمّ قال لي :
اقبض من السكّان دراهم واشتر تمرا وكفّر عنّي كفّارة يمين فاشتريت وكفّرت ؟ وأخبرته .
فقال : الحمد للّه .
قلت : وزاد الدينوري في كتاب المجالسة « 2 » أنّ الإمام أحمد قال : فإنّي حنثت في دهري في يمين واحدة - ثمّ قال لي : أحضر الوصيّة واقرأها - وكان كتبها قبل ذلك - فقرأتها فأقرّها على ما هي عليه ، ونسخة كتاب الوصيّة :
بسم اللّه الرحمن الرحيم
هذا ما أوصى به أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه :
أنّه يشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، وأنّ محمّدا رسول اللّه أرسله
بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
[ التوبة : 33 ] ، وأوصى من أطاعه من أهله وأقاربه أن يعبدوا اللّه في العابدين ويحمدوه في الحامدين وأن ينصحوا لجماعة المسلمين .
وأوصي أنّي قد رضيت باللّه ربّا وبمحمد صلّى اللّه عليه وسلم نبيّا ورسولا ، وبالإسلام دينا .
وأوصي أنّ لعبد اللّه بن محمد المعروف بفودان عليّ نحو ( ا ) من خمسين دينارا وهو مصدّق فيما قال فيقضى ما له عليّ من غلّة الدار إن شاء اللّه ، فإذا استوفي أعطي ولد ( ه ) صالح وعبد اللّه كلّ ذكر وأنثى عشرة دراهم عشرة دراهم ، اه « 3 » .
( قال ) واشتدّت به العلّة يوم الخميس فلمّا كان يوم الجمعة اجتمع الناس حتّى ملئوا السكك والشوارع . قال حنبل : وكان عنده ثلاث شعرات من شعر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فأوصى عند موته أن يجعل على لسانه شعرة وعلى كلّ عين شعرة ، ففعل به ذلك عند موته .
قال ولده عبد اللّه : قال لي أبي في مرضه الذي توفّي فيه : أخرج لي كتاب عبد اللّه بن باديس ، فأخرجت الكتاب ، فقال : أخرج أحاديث ليث بن أبي سليم « 4 » فأخرجتها . فقال لي : اقرأ عليّ حديث ليث : قلت لطلحة إنّ طاوسا كان يكره الأنين في المرض فما سمع له أنين حتى مات رحمه اللّه . فقرأت ذلك على أبي فما سمعته أنّ في مرضه إلى أن توفّي .
قلت : وأسند الدينوري في كتاب المجالسة عن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل قال : لمّا مرض أبي واشتدّ مرضه ما أنّ ، فقيل له في ذلك فقال : بلغني عن طاوس أنّه قال : أنين المريض شكوى اللّه عزّ وجلّ . قال عبد اللّه : فما أنّ حتّى مات .
وقال عبد اللّه : لمّا حضرت أبي الوفاة جلست عنده وبيدي خرقة أشدّ بها لحييه فجعل يغرق « 5 » ثمّ يفيق ثمّ يفتح عينيه بيده - هكذا - ويقول : لا بعد ! ثلاث مرّات . فلمّا كان في الثالثة قلت له : يا أبت ، أيّ شيء هذا ؟ قال : ما هو ؟ قلت : الذي قد لهجت به في هذا الوقت : تعترق حتى نقول : قد قضيت
هامش
- ولدي فيكون أعطي بالمعلوم وبالإسناد إلى الموصي .
( 1 ) أي : يخضب بالحنّاء كما كان الرسول ( صلّى اللّه عليه وسلم ) يفعل .
( 2 ) كتاب المجالسة في الحديث للدينوري أحمد بن مروان ( ت 310 ) : الزركلي 1 / 241 .
( 3 ) في البداية والنهاية 10 / 341 : . . . أعطي ولد صالح كلّ ذكر وأنثى عشرة دراهم . وفي المخطوط : ولدي ولعلّها -
( 4 ) ليث بن أبي سليم ( ت 138 ) : أعلام النبلاء 6 / 179 ( 84 ) . وطاوس بن كيسان ( ت 106 ) أعلام النبلاء 5 / 38 ( 13 ) ، وحديث ليث جاء بلفظ مغاير وغير منسوب إلى طاوس في ص 47 .
( 5 ) غرق بوزن فرح : أغمي عليه ، ولم نجدها في اللسان ، وعند دوزي : فهو تارة يفيق وتارة يستغرق .