تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 488

مساهمون:

ص٤٨٨
إليه حتّى غاب . قال ابن أبي حاتم « 1 » : وكان كما قال الأعرابيّ : لقد رفع اللّه عزّ وجلّ شأن أحمد بعد ما امتحن وعظم عند الناس وارتفع أمره جدّا . وذكر ابن الجوزيّ بسنده إلى أبي جعفر الأنباريّ « 2 » أنه قال : لمّا حمل أحمد إلى المأمون أخبرت فعبرت الفرات فإذا هو جالس [ في الخان ] فسلّمت عليه فقال : يا أبا جعفر ، تعنّيت ! فقلت : ليس في هذا عناء ، وقلت له : أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك ، فو اللّه لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبنّ بإجابتك خلق من خلق اللّه . وإن أنت لم تجب ليمتنعنّ خلق من الناس كثير . ومع هذا فإنّ الرجل - يعني المأمون - إن لم يقتلك تموت ، ولا بدّ من الموت ، فثق باللّه ولا تجبهم إلى شيء ( قال ) فجعل أبو عبد اللّه يبكي ويقول : ما شاء اللّه ، ما شاء اللّه ! . وقال أحمد بن غسّان « 3 » كنت سائرا مع أحمد لمّا طلبه المأمون فلمّا صرنا قرب غابة قال لي أحمد : قلبي يحسّ أنّ رجاء الحضاري « 4 » يأتي في هذه الليلة ، فإن أتى وأنا نائم فأيقظني ، وإن أتى وأنت نائم أيقظتك . فبينما نحن نسير إذ قرع قارع المحمل « 5 » فاستشرف أبو عبد اللّه فإذا هو برجل فعرفه أبو عبد اللّه بالصفة وكان لا يأوي المدائن والقرى ، وعليه عباءة قد شدّها على عنقه ، فقال : يا أبا عبد اللّه إنّ اللّه قد رضيك له وافدا فانظر أن لا يكون وفودك على المسلمين وفودا مشئوما ، واعلم أنّ الناس إنّما ينتظرونك لأن تقول فيقولوا ، فاعلم إنّما هو الموت والجنّة ، ثمّ مضى ( قال ) فلم يكن بأسرع من أن ورد علينا قاصد المأمون ، وهو رجاء الحضاريّ ، فقال : أين هؤلاء الأشقياء ؟ فقال له أحمد : يا عدوّ اللّه ، تقول : القرآن مخلوق ونكون نحن الأشقياء ؟ ( قال ) فأنزلنا من المحامل وصيّرنا في خيمة فخرج إلينا خادم وهو يمسح عن وجهه بكمّه ويقول : عزّ عليّ يا أبا عبد اللّه : [ لقد ] جرّد أمير المؤمنين سيفا لم يجرّده قطّ ، وبسط نطعا لم يبسطه قطّ . ثمّ قال : وقرابتي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم [ 3 أ ] لا رفعت عن أحمد وصاحبه حتّى يقولا : القرآن مخلوق . ( قال ) فنظرت إلى أحمد وقد برك على ركبتيه ولحظ السماء بعينه ثمّ قال : علا عن هذا الفاجر حكمك حتّى يتجرّأ على أوليائك بالضرب والقتل ! اللهمّ فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته ! ( قال ) فو اللّه ما مضى الثلث الأوّل من الليل إلّا ونحن بصيحة وضجّة وإذا برجاء الحضاريّ قد أقبل علينا فقال : صدقت يا أبا عبد اللّه : القرآن كلام اللّه غير مخلوق وقد مات واللّه أمير المؤمنين « 6 » . فلمّا مات المأمون ووليّ أخوه أبو إسحاق المعتصم ردّ بأبي عبد اللّه ومحمد بن نوح إلى بغداد ، فمات محمد بن نوح في الطريق ، ووصل أبو عبد اللّه إلى بغداد مقيّدا ( قال ) فكان أبو عبد اللّه يقول : ما رأيت أحدا على حداثة سنّه وقلّة علمه أقوم بأمر اللّه من محمد بن نوح ، قال لي ذات يوم : يا أبا عبد اللّه إنّك لست مثلي : أنت رجل يقتدى بك ، وقد مدّ الخلق أعناقهم [ إليك ] ليسمعوا مقالتك ، فاتّق اللّه وأثبت لأمر اللّه ! ( قال )
هامش
( 1 ) عبد الرحمن بن أبي حاتم ( ت 327 ) صاحب كتاب الجرح والتعديل : الزركليّ 4 / 99 . ( 2 ) أبو جعفر الأنباريّ : لم نعرفه . ( 3 ) أحمد بن غسّان الزاهد ( ت نحو 230 ) : أعلام النبلاء 9 / 409 . ( 4 ) رجاء بن أيّوب الحضاريّ أحد قوّاد المأمون فالمعتصم فالمتوكّل ، الطبريّ 9 / 117 ، 197 . ( 5 ) المحمل هو الهودج . ( 6 ) مات المأمون في رجب سنة 218 . انظر ترجمته في المقفّى برقم 1479 .