تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
وقال الإمام أبو بكر المروزيّ : سمعت أحمد بن حنبل يقول : ما أعدل بالفقر شيئا . رأيت قوما صالحين : لقد رأيت عبد اللّه بن إدريس وعليه جبّة من لبود وقد أتى عليه السنون والدهور ، ورأيت أبا داود الحفريّ وعليه جبّة مخرّقة قد خرج القطن منها يصلّي بين المغرب والعشاء وهو يرجج « 1 » من الجوع ، ورأيت أيّوب بن النجّار بمكّة وقد خرج ممّا كان فيه ومعه رشاء « يستقي به بمكّة وقد خرج من كلّ ما كان يملكه ، وكان من العابدين ، وكان في دنيا فتركها في يدي يحيى القطّان ، في أناس أخر ذكرهم . وذكر الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد « 2 » أنّ حاتم الأصمّ قصد الحجّ ، فلمّا دخل بغداد قال لبعض أصحاب الإمام أحمد : أحبّ أن أزور أحمد بن حنبل ، فقال له : امض بنا إليه ، فلمّا دخل عليه في منزله قال له صاحبه : حاتم قصد زيارتك والسلام عليك ، فأقبل عليه أحمد وتحادثا ساعة طويلة . ثمّ قال له أحمد بعد بشاشة : يا حاتم فيم التخلّص من الناس ؟ فقال له : يا أحمد ، في ثلاث . قال : وما هي ؟ قال : أن تعطيهم مالك ولا تأخذ من مالهم شيئا ، وتقضي حقوقهم ولا تستقضي من أحد منهم حقّا ، وتحتمل مكروهم ولا تكره أحدا منهم على شيء . ( قال ) فجعل أحمد ينكت بإصبعه على الأرض ويقول : إنّها لشديدة ! إنّها لشديدة ! فقال له حاتم : وليتك تسلم ! وليتك تسلم ! . وفي مجمع الأصحاب في ترجمة الحارث المحاسبيّ « 3 » رضي اللّه عنه . : قال في المناقب : قال محمد بن خفيف رحمه اللّه : دخلت يوما على القاضي عليّ بن أحمد فقال له : يا أبا عبد اللّه : معنا لكم حكاية تحتاج تكتبها بماء الذهب . فقلت : أيّها القاضي ، ماء الذهب لا أجده ولكنّي أكتبها بالحبر الجيّد . فقال : بلغني أنّه قيل لأبي عبد اللّه أحمد بن حنبل أنّ الحارث بن أسد يتكلّم في علم القوم ويحتجّ عليه بالآيات والسنن . فقال أحمد : أحبّ أن أسمع كلامه من حيث لا يعلم بموضعي ، فقال له الرجل : أنا أعمل هذا . فاتّخذ دعوة ودعا الحارث وأصحابه ، ودعا أحمد . فجلس أحمد حيث لا يراه . فلمّا حضرت الصلاة تقدّم الحارث وصلّى بهم المغرب . وأحضروا الطعام فجعل يأكل ويتحدّث معهم ، فقال : هذا من السنّة ! فلمّا فرغوا غسلوا أيديهم فقال أحمد : وهذا أيضا من السنّة ! ثمّ جلس الحارث وجلس أصحابه فقال : من أراد منكم أن يسأل عن شيء فليسأل ، فسئل عن الإخلاص وعن مسائل كثيرة فأجاب عنها بأحسن جواب واستشهد عليه بالآيات والسنن ، وأحمد يسمع . فلمّا مرّ هويّ « 4 » من الليل أمر الحارث قارئا يقرأ شيئا من القرآن ، فبكى بعضهم وانتحب آخرون . ثمّ سكت الحارث ودعا بدعوات خفاف ثمّ قام إلى الصلاة
هامش
( 1 ) يرجج : يضطرب ويهتزّ . ( 2 ) في ترجمة حاتم بن عنوان الأصمّ ( ت 237 ) : تاريخ بغداد 8 / 241 ( 4345 ) ، وخبر المقابلة رواه الذهبيّ في سير أعلام النبلاء 11 / 487 . ( 3 ) الحارث بن أسد المحاسبيّ الصوفيّ ( ت 243 ) : معجم كحّالة 3 / 174 . وكتاب مجمع الأصحاب أو مجمع الأحباب أو مجمع الأخيار هو مختصر لكتاب حلية الأولياء لأبي نعيم ( ت 439 ) في الحديث وتراجم العلماء ، اختصره الشريف محمد بن الحسن بن عبد اللّه الحسينيّ الواسطيّ ( ت 776 ) : أعلام الزركلي 6 / 319 - كشف الظنون 1596 وسمّاه مجمع الأخبار في مناقب الأخيار . ( 4 ) هويّ وهويّ من الليل : هزيع منه .
المقفى الكبير — صفحة 482 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي