فقال أحمد : قد كان يبلغني غير هذا . أمّا هذا فلا أنكر منه شيئا .
زاد في رواية أخرى أنّ الحارث لمّا أخذ في الكلام بقي أصحابه يسمعون كأنّما على رؤوسهم الطير فمنهم من يبكي ومنهم من ينتحب ( قال ) فجئت إلى الحارث وقد غشي عليه ، فتركته ثمّ عدت إليهم ، ولم يزل هذا حالهم في القراءة والذكر إلى آخر الليل ، فلمّا صلّوا وذهبوا جئت إلى أحمد بن حنبل فقال : ما أعلم أنّي رأيت مثل هؤلاء القوم ، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل - أو كما قال - اه .
فإن قلت : قد نقل فقهاء الحنابلة في كتبهم أنّ الإمام أحمد تكلّم في الحارث المحاسبيّ وأنّه قيل له : يا أبا عبد اللّه ، يروي الحديث وهو ساكن خاشع فغضب الإمام أحمد وجعل يحكي ولا يعدّل خشوعه ولينه ويقول : لا يغترّ فإنّه رجل سوء لا يعرفه إلّا من خبره ، ولا كرامة له ، قلت : هذا الكلام من الإمام أحمد محمول على أنّه كان في أوّل أمره بحسب ما بلغه عنه ، ولمّا سمع كلامه بغير واسطة بينه وبينه تحقّق حاله وظهر له مقامه وعلوّ شأنه ، ويدلّ على ذلك قول الإمام أحمد : قد كان يبلغني غير هذا إلى آخره .
وقال « 1 » في ترجمة سريّ السقطي « 1 » رضي اللّه عنه : حكى الراغب وغيره أنّ سريّا السقطي لمّا ترك التجارة كانت أخته تنفق عليه من غزلها ، فأبطأت عليه يوما فسألها عن ذلك فقالت : إنّ غزلي لم يشتر لأنّه مختلف بعضه أرفع من بعض .
فامتنع السريّ من طعامها لذلك وعزم أن لا يأكل ممّا عندها بعد ذلك . ثمّ إنّ أخته دخلت عليه بعد
ذلك فرأت عنده عجوزا تكنس بيته ، وكانت تلك العجوز تأتيه كلّ يوم برغيفين ، فاغتمّت أخته وراحت إلى الإمام أحمد بن حنبل فذكرت له ذلك . فلمّا كلّمه أحمد في ذلك قال السريّ : هذه الدنيا أمرها اللّه عزّ وجلّ أن تخدمني وتأتي إليّ بقوتي ، أو كما قال .
وكان رضي اللّه عنه يتأسف على اجتماعه بالإمام مالك لأنّ مالكا رضي اللّه عنه توفّي في السنة « 2 » التي طلب الإمام أحمد فيها الحديث وهي سنة تسع وسبعين ومائة ، فكان يقول : فاتني مالك فأخلف اللّه عليّ سفيان بن عيينة ، وفاتني حمّاد بن زيد فأخلف اللّه عليّ إسماعيل بن عليّة .
واجتمع بالشافعيّ رضي اللّه عنه وأخذ عنه الفقه وأصوله وكان رضي اللّه عنه يقول : ما حمل أحد محبرة ولا مسّ قلما إلّا وللشافعيّ في عنقه منّة .
ولمّا ذكر الشيخ محيي الدين النّوويّ هذا الكلام عن الإمام أحمد قال بعده : فهذا قول إمام أصحاب الحديث وأهله ومن لا يختلف الناس في ورعه وفضله .
ثمّ قال النوويّ : ومن كلماته - يعني الإمام أحمد - أنّ الشافعيّ مكّنه اللّه تعالى من أنواع العلوم حتّى عجز لديه المناظرون من الطوائف وأصحاب الفنون « 3 » اه .
وقال الإمام أحمد : ما صلّيت صلاة منذ ثلاثين سنة إلّا وأنا أدعو للشافعيّ - كذا في الحلية للحافظ أبي نعيم ، وقال الإمام الغزالي في الإحياء : أربعين سنة - ولكثرة دعائه له قال له ابنه : أيّ رجل كان الشافعيّ حتّى تدعو له كلّ هذا الدعاء ؟ فقال :
هامش
( 1 ) أي صاحب مجمع الأصحاب ، وسريّ بن المغلّس السقطي أبو الحسن ( ت 253 ) هو واحد من كبار الصوفيّة :
الزركليّ 3 / 129 .
( 2 ) توفي مالك سنة 179 ، وكذلك حمّاد بن زيد بن درهم ، أبو إسماعيل الأزدي : أعلام النبلاء 7 / 456 ( 169 ) .
( 3 ) الحافظ أبو زكريا النوويّ ( ت 676 ) : تهذيب الأسماء واللغات 1 / 50 في ترجمة الشافعي .