تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
من كلّ جهة . وكان من الأيّام المشهودة . وصعد القلعة وهو راكب ، ونزل بمكان قد هيّئ له بتهيئة [ 51 ب ] تليق به . وبالغ السلطان في إكرامه ، واحتفل في إقامة ناموسه ووقاره . فلمّا كان في يوم الاثنين ثالث عشره ، حضر بقلعة الجبل قاضي القضاة تاج الدين ، ونوّاب الحكم ، وعلماء القاهرة ومصر ، وأعيان الفقهاء ، وكبار المشايخ الصوفيّة « 1 » ، والأمراء ، ومقدّمي العساكر ، ووجوه التجّار ، وأكابر الرعيّة . واستدعي شيخ الإسلام عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام ، فلمّا [ 150 أ ] كمل الجمع ، جلس أحمد ابن الظاهر ، وجلس الملك الظاهر إلى جانبه ، وهو في غاية التأدّب معه ، من غير كرسيّ ولا طرّاحة ولا مسند . وطلب العرب وخادم من البغاددة إلى عند قاضي القضاة فشهدوا بأنّ الأمير أحمد هذا هو ابن الإمام أمير المؤمنين الظاهر ابن الإمام الناصر . وشهد باستفاضة ذلك القاضي جمال الدين يحيى نائب الحكم بمصر ، والفقيه علم الدين [ محمد بن الحسين ] ابن رشيق ، والقاضي صدر الدين موهوب الجزريّ ، ونجيب الدين الحرّانيّ ، وسديد الدين التزمنتيّ ، فقبل القاضي شهاداتهم ، وأسجل على نفسه بثبوت النسب ، وهو قائم على قدميه في ذلك المحفل العظيم حتى تمّ الإسجال والحكم . فلمّا تمّ ذلك كان أوّل من بايعه قاضي القضاة تاج الدين . ثمّ نهض الملك الظاهر وقام على قدميه ووقف ، ثمّ دنا من الأمير أحمد ومدّ يده إليه ، وبايعه على العمل بكتاب اللّه وسنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد في سبيل اللّه ، وأخذ أموال اللّه بحقّها ، وصرفها في مستحقّها ، ونعته « بأمير المؤمنين المستنصر باللّه أبي القاسم » و [ . . . ] والشيخ عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام . فلمّا تمّت مبايعة السلطان للخليفة ، قلّد الخليفة الإمام المستنصر باللّه الملك الظاهر أمور البلاد الإسلاميّة ، وما ينضاف إليها بما سيفتحه اللّه على يديه من البلاد التي بيد الكفّار . وجلس السلطان فقام الناس على قدر مراتبهم وبايعوا الخليفة واحدا بعد واحد . وكتب عند انقضاء البيعة في المجلس إلى سائر الملوك والنوّاب بجميع الممالك أن يأخذوا البيعة على من قبلهم لأمير المؤمنين الإمام المستنصر باللّه أحمد ابن الإمام الظاهر ، وأن يدعى باسمه على سائر المنابر ، ثمّ يدعى من بعده باسم الملك الظاهر ، وأن ينقش اسمهما على السكّة « 2 » . فلمّا كان في يوم الجمعة سابع عشره ، خطب الخليفة بنفسه على منبر الجامع بقلعة الجبل . واهتمّ السلطان بأمره ، واحتفل به احتفالا زائدا ، ونثر عليه جملا مستكثرة من الذهب والفضّة . وخطب [ . . . ] والإسكندرية . ولمّا [ 52 أ ] شرع في الخطبة تلكّأ فيها ، ثمّ عاد حتى أتمّها . ونزل عن المنبر وصلّى بالسلطان صلاة الجمعة . وفي يوم الأحد تاسع عشره ركب الخليفة والسلطان من قلعة الجبل إلى مدينة مصر ، ونزلا في الحراريق ، وسارا في النيل إلى قلعة الجزيرة وجلسا فيها . وقدّمت الشواني الحربيّة فلعبت في النيل كهيئتها عند الحرب . ثمّ ركبا إلى قلعة الجبل فكان يوما من أحسن أيّام الناس بمصر لكثرة من اجتمع فيه من العالم . وفي يوم الاثنين رابع شعبان ، ركب السلطان
هامش
( 1 ) في المخطوط : والصوفيّة . ( 2 ) كتبها المقريزي : الصكّة .